السكون الذي أحاول معرفته | رحلة إلى سلام النفس

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




السكون الذي أحاول معرفته

لا أبحث عن صمتٍ تنقطع فيه أصوات العالم، ولا عن عُزلةٍ تُغلَق فيها الأبواب، ولا عن حياةٍ لا يعبرها القلق؛ فذلك ضربٌ من التمنّي لا تعرفه طبيعة البشر. ما أحاول معرفته هو سكونٌ آخر: سكونٌ يقيم في باطن الإنسان وإن اضطربت من حوله الجهات، ويظلّ فيه موضعٌ آمن لا تبلغه جلبة الأيام.

لطالما ظننتُ أن السكينة ثمرة انتهاء المشكلات؛ أنني سأبلغها حين تستقيم الظروف، وتنكشف الحيرة، ويأخذ كلُّ سؤالٍ جوابَه. غير أن الحياة لم تكن تُنهي شيئًا إلا لتفتح وراءه شيئًا آخر، حتى بدا انتظار الهدوء منها كمن ينتظر من البحر أن يكفّ عن الموج ليعبره.

فهمت متأخرًا أن السكون لا يأتي بعد أن تستقيم الحياة، بل حين أكفّ عن اشتراط استقامتها كي أطمئن.

إنه ليس غياب الحوادث، بل انطفاء الخصومة معها. أن يقع ما لا أريد، دون أن أنهدم كلّيًا لأنه وقع. وأن أتلقّى الفرح من غير أن أُفسده بالخوف من زواله. وأن أمرّ بالحزن دون أن أجعله نبوءةً لما بقي من عمري.

ذلك هو السكون الذي أحاول معرفته: ألّا أجعل كلَّ عابرٍ في نفسي مقيمًا.

الضوضاء التي لا يسمعها أحد

ليست أشدّ الأصوات صخبًا تلك التي تأتي من الخارج، بل التي لا يسمعها سوانا.

قد يجلس الإنسان في مجلس هادئ، بينما تقوم في داخله محكمةٌ كاملة: يستدعي موقفًا انقضى، ويعيد كلامًا قيل، ويتخيّل جوابًا كان ينبغي أن يقوله، ثم يقضي على نفسه لأنه لم يقله في أوانه. وربما عبر الموقف منذ أعوام، لكنّه ما زال يُستأنف في سريرته كلّما خلا إلى نفسه.

وفي الذهن دهاليزُ لا تنتهي؛ فكلما حاول المرء أن يبلغ آخر فكرة، فتحت له بابًا إلى غيرها. يسأل: لماذا حدث هذا؟ ثم: ماذا لو لم يحدث؟ ثم: كيف كان يمكن أن يكون؟ حتى يقضي ساعاتٍ في ترميم حياةٍ لم تقع، ومحاكمة واقعٍ لا يملك ردّه إلى الوراء.

ولا يبلغ السكون بكثرة الأجوبة؛ فقد تكون وفرة الأجوبة لونًا آخر من الضجيج. إنما يبدأ حين ندرك أن بعض الأسئلة لا ينقصها الحل، بل ينقصها أن نُعفي أنفسنا من حملها.

فليس كلُّ غامضٍ ملزمًا بأن ينكشف، ولا كلُّ فراقٍ محتاجًا إلى تفسير، ولا كلُّ إساءةٍ جديرةً بأن نقيم لها في القلب مجلسًا لا ينفضّ. بعض الوقائع لا تمنحنا معناها مهما أطلنا الوقوف عندها، وبعض الأبواب لا ينبغي أن نبقى أمامها لأننا لم نفهم سبب إغلاقها.

والعقل حصيفٌ حين يبحث، لكنه قد يصبح مُعنّتًا حين لا يعرف موضع الكفّ. يستمرّ في التنقيب حتى بعد أن تنتهي الفائدة، كمن ينبش أرضًا خاليةً لأنه لا يحتمل أن يعود منها بيدين فارغتين.

غير أن العودة بلا جواب أرحم أحيانًا من الإقامة داخل السؤال.

ليس السكون أن تبرد روحك

يُساء فهم السكينة حين تُشبَّه باللامبالاة. فالمرء الساكن ليس امرأً خمدت عاطفته، ولا شخصًا تمرّ به الأشياء فلا تُصيبه. قد يكون أشدّ إحساسًا من غيره، لكنه تعلّم ألّا يهب كلَّ شعورٍ مقاليد يومه.

يحزن ولا يستوطن الحزن، ويغضب ولا يسلّم للغضب لسانه، ويخاف دون أن يجعل الخوف دليل طريقه. يعرف أن المشاعر رسلٌ تعبر النفس؛ يُنصت إلى ما تحمله، ثم يتركها تمضي. فلا يطردها بعنف، ولا يحتجزها حتى تفسد هواءه الداخلي.

السكون الحقيقي لا ينتزع من الإنسان شغفه، بل يُنقّيه من الهلع. يجعله يحبّ دون أن يتحوّل الحب إلى استجداء، ويعمل دون أن تصبح قيمته رهينة النتيجة، ويتطلّع إلى الغد دون أن يحتقر يومه الحاضر.

وقد يبدو هذا المعنى هيّنًا في القول، لكنه من أشقّ ما يتعلّمه المرء؛ لأننا اعتدنا أن نخلط بين حرصنا على الأشياء ومحاولة السيطرة عليها. نظنّ أن كثرة التفكير تحمي ما نحب، وأن توقّع الأسوأ يخفّف وقعه، وأن مراقبة الاحتمالات تمنعها من مباغتتنا.

لكنّ الحذر إذا جاوز قدره لم يعد فطنةً، بل صار استنزافًا متنكّرًا في هيئة الحكمة.

كم من مصيبةٍ عشناها في خيالنا ثم لم تقع، وكم من لحظةٍ جميلة لم نذقها لأننا كنّا نستعدّ لنهايتها. لقد دفعنا للقلق أثمان أحداثٍ لم تحدث، ثم سمّينا ذلك استعدادًا.

أما السكون فيقول للإنسان: خذ من الحيطة ما ينفعك، ثم اترك للغيب شأنه. افعل ما تستطيع، ولا تُرهق روحك بمحاولة تدبير ما ليس إليك. ففي الحياة حوادث لا يردّها الاحتراس، ونِعَم لا يجلبها الاضطراب، وأقدار تبلغ أبوابنا دون أن تستأذن تصوّراتنا.

أن يصبح المرء موطنًا لنفسه

ربما كان أعمق أشكال السكون أن يصبح الإنسان موطنًا لنفسه؛ فلا يضطر إلى الارتحال عنها كلّما خاف مما سيجده فيها.

أن يجلس وحيدًا دون أن يهرع إلى هاتفه، وأن تمرّ لحظةٌ فارغة دون أن يملأها بأي صوت. أن يصغي إلى نفسه لا ليحاسبها، بل ليعرفها؛ فهي لم تكن دائمًا بحاجة إلى إصلاح، بل احتاجت أحيانًا إلى من يسمعها دون أن يقاطعها بالنصيحة.

وقد أمضى كثيرون أعمارهم في إتقان الظهور، حتى استوحشوا من حقيقتهم حين خلوا إليها. يعرفون كيف يكونون مقبولين، وكيف يقولون ما يلائم، وكيف يبدون بخير؛ لكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بأنفسهم حين لا يكون هناك أحدٌ يتطلّب منهم هيئةً معينة.

السكون أن تسقط عنك مؤونة التمثيل أمام ذاتك. أن تقول: هذا أنا في قوّتي ووَهَني، في اتّزاني وعثرتي، فيما أحسنت وفيما لم أبلغ إحسانه بعد. لا تمجّد نقصك، ولا تجعله ذريعةً للقعود، لكنك تكفّ عن معاملته كفضيحة.

وحين يألف المرء نفسه، يقلّ احتياجه إلى أن يُثبتها في كل موضع. لا يخوض كل جدالٍ ليُظهر صواب رأيه، ولا يشرح كلَّ موقفٍ كي يصون صورته، ولا يستجدي من الناس إقرارًا بقيمته. يعرف أن الحقائق لا تفقد حقيقتها لأن أحدًا لم يفهمها، وأن الكرامة التي تحتاج إلى تصفيق الآخرين كي تبقى ليست كرامةً مطمئنة.

ومن السكون أن تمرّ ببعض الظنون دون أن تستدير إليها. ليس لأنك عاجز عن الرد، بل لأنك لم تعد ترى الردّ واجبًا عليك. لقد أدركت أن الإنسان إذا جعل راحته في أفهام الناس عاش موزّعًا بينهم، وأن سلامه يبدأ يوم يستردّ نفسه من التأويلات التي لا يملكها.

سكينة الأشياء الصغيرة

ليس للسكون بابٌ عظيم نعبره مرةً واحدة، ثم لا نغادره. إنما يأتي في هيئاتٍ ضئيلة تكاد لا تُرى: فنجانٍ تشربه على مهل، أو طريقٍ تمشيه بلا استعجال، أو نافذةٍ تفتحها قبيل الصباح، أو سجدةٍ تطيل فيها الصمت لأن الكلمات لم تعد تتّسع لما فيك.

وقد يأتي حين تؤجّل جوابًا حتى يهدأ غضبك، أو تعتذر دون أن تبحث لنفسك عن مخارج، أو تغلق بابًا ظللت واقفًا عنده أكثر مما ينبغي. وربما جاء في لحظة تقرّر فيها أن يومًا متعثرًا ليس حياةً متعثرة، وأن خسارةً واحدة لا تصلح عنوانًا لوجودك كلّه.

نحن لا نحتاج دائمًا إلى تغيير العالم من حولنا؛ قد نحتاج إلى أن نعيد ترتيب منزلنا الداخلي. أن نرفع من ممرّاته بقايا الحكايات القديمة، ونفتح نوافذه لما هو حاضر، ونردّ لكل أمرٍ حجمه الحقيقي: فلا نجعل الهفوة مصيرًا، ولا التأخير حرمانًا، ولا اختلاف الآخرين معنا انتقاصًا منّا.

والسكينة ليست منزلةً يبلغها المرء فلا يضطرب بعدها. سوف يعود القلق، وتزدحم الأفكار، وتنال الحوادث من اتّزانه. لكن الفرق أنه سيعرف طريق الرجوع؛ لن يفزع من اضطرابه، ولن يظن أنه فقد كل ما تعلّمه. سيعامل السكون لا بوصفه إقامةً دائمة، بل وطنًا يعرف كيف يعود إليه.

ما زلت أحاول معرفة هذا السكون. أقترب منه حينًا، ثم تردّني نفسي إلى عاداتها القديمة. أستعجل ما يحتاج إلى أناة، وأفتّش عن اليقين في أمورٍ خُلقت محتملة، وأحمل إلى الغد أثقالًا لم يطلبها منّي.

لكنني صرت أعرفه حين يمرّ بي: أشعر أنني لست مضطرًا إلى حلّ الحياة كاملةً في هذه اللحظة، وأن اليوم يستطيع أن ينقضي دون أن أفهم كلّ ما حدث فيه. أتنفّس، وأدع الأشياء تستقرّ في مواضعها، وأتذكّر أن الله يدبّر ما تضيق عنه حيلتي.

ولعلّ السكون الذي أبحث عنه لم يكن بعيدًا عنّي، وإنما كان محجوبًا بذلك الصخب الذي أحدثته وأنا أطارده.

فبعض الطمأنينة لا تأتي حين نجد ما نقول، بل حين لا يعود الصمت في داخلنا أمرًا نخافه.



                                                                                  تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة