من الذي يبني مَن؟ هل نحن صُنّاع أنفسنا؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


هل نحنُ البناية أم الباني


من الذي يبني مَن؟

يبدأ الإنسان حياته قبل أن يملك رأيًا فيها.

يُعطى اسمًا لم يختره، ولغةً لم ينتقها، وبيتًا لم يقرر دخوله، ومجتمعًا يضع أمامه تعريفاته الجاهزة للحب والنجاح والخوف والعار والصواب والخطأ. وقبل أن يصبح قادرًا على السؤال، تكون أشياء كثيرة قد استقرت في داخله على هيئة إجابات.

ولهذا فإن أول ما يحدث للإنسان في الحياة ليس أنه يبني نفسه، بل أنه يُبنى.

تضع الأسرة أول الحجارة، ويضيف المجتمع طابقًا آخر، ثم تأتي المدرسة، والأصدقاء، والخسارات، والمديح، والإهانات، والفرص التي مُنحت له، والأبواب التي أُغلقت في وجهه. وكل تجربة تمر به تترك شيئًا؛ حجرًا هنا، نافذة هناك، شرخًا في زاوية لا يراه أحد.

ثم يكبر.

وينظر إلى هذا البناء كله ويقول:

هذه أنا.

لكن السؤال الذي لا نطرحه كثيرًا هو:

كم جزءًا من هذه الـ«أنا» اخترناه فعلًا؟

حين تسكن في بناء لم تصممه

ليست كل أفكارنا أفكارنا.

بعضها جُمل سمعناها مرارًا حتى تحولت إلى قناعات. وبعض مخاوفنا ليست نتيجة ما حدث لنا، بل نتيجة ما قيل لنا إنه قد يحدث. وبعض طموحاتنا قد لا تكون رغبات حقيقية بقدر ما هي محاولات للحصول على إعجاب أشخاص أقنعونا منذ الصغر بأن قيمتنا تُقاس بما ننجزه.

قد يقضي الإنسان نصف عمره وهو يصعد سلّمًا كاملًا، ثم يكتشف متأخرًا أن الجدار الذي أسند إليه السلم لم يكن جدارَه.

وهنا لا تكون المأساة في التعب.

بل في أن التعب كان صادقًا… والاتجاه خاطئًا.

كم شخصًا اختار تخصصه لأنه أراده فعلًا؟

وكم شخصًا اختاره لأنه خاف أن يخيب ظن أحد؟

كم إنسانًا يريد المال لأنه يحب ما يمنحه من حرية، وكم إنسانًا يريده فقط كي يثبت لمن احتقره يومًا أنه أصبح ذا شأن؟

كم مرة قلنا: «هذا طبعي»، بينما الحقيقة أن ذلك لم يكن طبعًا، بل جرحًا تعلّم كيف يدافع عن نفسه؟

حتى القسوة قد تكون جدارًا.

والصمت قد يكون قفلًا.

والاستقلال المفرط قد يكون بابًا أُغلق منذ سنوات حتى لا يدخل منه أحد ويؤذي صاحبه مرة أخرى.

نحن بارعون في تسمية أبنيتنا، لكننا أقل براعة في معرفة من شيّدها.

اللحظة التي يتحول فيها الإنسان إلى بانٍ

النضج الحقيقي ربما لا يبدأ حين تعرف ماذا تريد.

بل حين تبدأ بمراجعة ما بداخلك وتسأل:

من وضع هذا هنا؟

من قال لي إن الخطأ عار؟

من أقنعني بأن قيمتي مرتبطة بقبول الآخرين؟

من علّمني أن الاعتذار ضعف؟

من جعلني أظن أن عليّ أن أكون شيئًا محددًا حتى أستحق الحب؟

إنها أسئلة تشبه مطرقة صغيرة تضرب جدرانًا ظننا طويلًا أنها جزء من طبيعتنا.

وبعض الجدران عندما تضربها تكتشف أنها مجوفة.

لم تكن حقيقة.

كانت عادة فقط.

وهنا يبدأ الإنسان للمرة الأولى في الانتقال من البناية إلى الباني.

ليس لأن تأثير الماضي يختفي، ولا لأن الإنسان يستطيع محو ما شُيّد فيه، بل لأنه يكتسب أخطر قدرة يمكن أن يمتلكها شخص:

حق التعديل.

أن تقول: هذه الفكرة وُضعت في داخلي، لكنني لا أريدها.

هذا الخوف مفهوم، لكنه لن يدير حياتي.

هذه الطريقة في الحب ورثتها، لكنها تؤذيني، وسأتعلّم غيرها.

هذا التعريف للنجاح تربيت عليه، لكنه لا يشبهني.

فليست الحرية أن تبدأ بلا تأثيرات؛ فهذا مستحيل.

الحرية أن تعرف تأثيراتك جيدًا، ثم تقرر أيّها يستحق أن يبقى.

لكن الباني نفسه يُبنى

وهنا تقع المفارقة الأجمل.

حتى عندما نظن أننا أصبحنا البنّائين، تستمر الحياة في بنائنا.

نختار طريقًا، فيغيّرنا الطريق.

نحب شخصًا بإرادتنا، ثم يجعلنا الحب شخصًا آخر.

نتخذ قرارًا نظنه مجرد قرار، ثم نكتشف بعد سنوات أنه أعاد ترتيب شخصيتنا كاملة.

نبني عادة، ثم تبنينا العادة.

نبني علاقة، ثم تعيد العلاقة تعريف نظرتنا لأنفسنا.

نبني حلمًا، ثم يقضي الحلم أعوامًا في تشكيل صبرنا وشراستنا ونظرتنا إلى الزمن.

ولهذا ربما يكون السؤال: هل أنت الباني أم البناية؟ سؤالًا ناقصًا.

لأن الإنسان كليهما في الوقت نفسه.

أنت تبني، بينما ما تبنيه يعيد بناءك.

تختار كلماتك، ثم تصنع كلماتك طريقتك في التفكير.

تختار من تصاحب، ثم يصبح من تصاحب جزءًا من شخصيتك.

تختار ما تقرأ، ثم تبدأ الكتب بهدوء في إعادة ترتيب الغرف التي في رأسك.

وحتى القرارات الصغيرة التي نظن أنها تنتهي لحظة اتخاذها، قد تظل تعمل في أعماقنا سنوات.

نحن لا نمر بالحياة فقط.

الحياة تمر بنا أيضًا.

أخطر بناء هو الذي لا نراه

المشكلة ليست أن الآخرين شاركوا في تشكيلنا؛ فهذا جزء من طبيعة الإنسان.

المشكلة أن نعيش داخل ما صنعوه دون أن نعلم أنهم صنعوه.

أن ندافع عن أفكار لم نسأل يومًا لماذا نؤمن بها.

أن نحرس أبوابًا لم نختر وضعها.

أن نحافظ على جدران تؤلمنا فقط لأنها قديمة.

فالإنسان يستطيع الهروب من مدينة، ومن وظيفة، ومن علاقة، ومن بيت، لكنه قد يحمل البناء القديم كله في داخله أينما ذهب.

يغيّر المكان ويبقى السجن.

يغيّر الأشخاص ويبقى الخوف.

يبدأ حياة جديدة مستخدمًا المخطط القديم نفسه، ثم يتعجب لماذا انتهى إلى الغرفة ذاتها.

ولهذا فإن بعض أكبر التغييرات في الحياة لا تحتاج إلى إضافة شيء.

بل إلى هدم شيء.

فكرة.

تعريف.

حكم قديم.

صورة صنعها الآخرون عنك وواصلت أنت الدفاع عنها بعد أن غادروا.

ليس كل هدم خرابًا.

أحيانًا يكون الهدم أول عمل معماري صادق يقوم به الإنسان في حياته.

في النهاية

لن تكون يومًا بناءً انتهى.

لا توجد نسخة أخيرة منك يُغلق بعدها باب التعديل.

في كل مرحلة ستكتشف حجرًا لم تضعه، وجدارًا لم تعد تحتاجه، ونافذة كان يجب فتحها منذ زمن.

وستفهم شيئًا أكثر تواضعًا من فكرة «صناعة الذات»:

أن الإنسان ليس مهندسًا مطلقًا لحياته، ولا ضحية كاملة لظروفه.

إنه كائن يستلم بناءً بدأه غيره، ثم يُمنح عددًا محدودًا من السنوات ليقرر ماذا يفعل به.

يمكنه أن يسكنه كما هو.

يمكنه أن يلوم البنّائين الأوائل إلى النهاية.

ويمكنه، في لحظة وعي نادرة، أن يمسك المخطط بيده لأول مرة.

وربما لا يكون أهم سؤال في الحياة:

ماذا بنيت؟

بل:

كم شيء فيك تجرأت أن تسأل من الذي بناه؟

لأن أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يفشل في بناء حياته.

بل أن ينجح نجاحًا كاملًا في بناء حياة…

لم تكن له منذ البداية.




                                                                              تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة