كلما اتسعت الرؤية ضاقت الأحكام

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




من السهل أن يُختصر الإنسان في موقف.

كلمة قالها، قرار اتخذه، خطأ ارتكبه، انفعال لم يحسن ضبطه، أو لحظة ظهر فيها على غير الصورة التي اعتاد الناس أن يروه بها.

ومن السهل أكثر أن يتحول ذلك الموقف إلى حكم كامل:

هذا سيئ.

ذاك أناني.

وهذا ضعيف.

وذاك لا يستحق الاحترام.

فالإنسان يميل بطبيعته إلى الحكايات الواضحة؛ خير وشر، صواب وخطأ، مذنب وبريء. أما الحياة فلا تعمل بهذه البساطة.

خلف كل تصرف طبقات لا تُرى.

وخلف كثير من القسوة خوف.

وخلف بعض الصمت معارك طويلة.

وخلف بعض القرارات التي تبدو أنانية محاولات متأخرة للنجاة.

وهذا لا يعني أن الخطأ يصبح صوابًا لمجرد معرفة أسبابه، ولا أن فهم الإنسان يقتضي إعفاءه من مسؤولية أفعاله.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تقول:

هذا الفعل خاطئ.

وأن تقول:

هذا الإنسان كله خطأ.

الأولى حكم على فعل.

أما الثانية فهي ادعاء معرفة حياة كاملة من مشهد واحد.

الأحكام السريعة تحتاج إلى عالم بسيط

كلما كانت رؤيتنا للحياة ضيقة، بدت الأشياء واضحة جدًا.

ننظر إلى غني فنظنه سعيدًا.

وإلى فقير فنظنه تعيسًا.

إلى صامت فنحسبه ضعيفًا.

وإلى كثير الكلام فنظنه واثقًا.

إلى شخص رحل من علاقة فنقول إنه لم يكن وفيًا.

وإلى آخر بقي فنعدّه مخلصًا.

ثم تأتي الحياة شيئًا فشيئًا وتهدم هذه المعادلات.

نكتشف أن من بقي ربما بقي خوفًا، وأن من رحل ربما احتاج شجاعة هائلة كي يرحل.

وأن الصامت قد يملك من القوة ما يجعله لا يحتاج إلى إثبات شيء.

وأن الضاحك قد يعود كل ليلة إلى حزن لا يعرفه أحد.

المشكلة ليست في أننا نحكم؛ فالإنسان لا يستطيع العيش دون تقييم وتمييز.

المشكلة في الثقة المفرطة بأحكام ناقصة.

أن نعرف جزءًا من الحكاية ثم نتحدث كما لو أننا شاهدنا بدايتها ونهايتها وما جرى بينهما.

كل إنسان يحمل تاريخًا لا يظهر على وجهه

عندما يدخل إنسان إلى مكان، يدخل معه عمر كامل لا نراه.

طفولة.

تربية.

مخاوف.

خسارات.

أشخاص مروا به.

كلمات لم ينساها.

أشياء كان يحتاجها ولم يحصل عليها.

ومواقف صغيرة ربما غيرت تكوينه أكثر مما غيّرته الأحداث الكبيرة.

لذلك قد يتصرف شخصان بالطريقة نفسها لأسباب مختلفة تمامًا.

وقد يتصرف شخصان في الموقف نفسه بطريقة متناقضة، ويكون لكل منهما منطقه الداخلي الذي لا نعرفه.

وهنا يبدأ اتساع الرؤية.

ليس حين نجد الأعذار لكل أحد، بل حين ندرك أن ما نراه ليس كل ما يوجد.

هذا الإدراك وحده يكسر شيئًا من غرور الحكم.

فالإنسان الذي يعرف مقدار ما يجهله عن الآخرين يصبح أكثر حذرًا في اختصارهم.

الفهم لا يعني التبرير

هناك خطأ يقع فيه الخطاب الإنساني أحيانًا: كأن فهم أسباب السلوك يعني التساهل معه.

ليس بالضرورة.

يمكن فهم أن إنسانًا أصبح قاسيًا بسبب ما عاشه، ثم يُقال له في الوقت نفسه إن قسوته غير مقبولة.

ويمكن معرفة أن الخوف كان سببًا في خيانة شخص، دون أن تتحول الخيانة إلى أمر مشروع.

الفهم لا يمحو المسؤولية.

لكنه يجعل العدالة أكثر نضجًا.

فالنظر السطحي يقول:

أخطأ، إذن هو سيئ.

أما الرؤية الأوسع فتقول:

أخطأ، وسيتحمل نتيجة خطئه، لكن خطأه ليس كل ما نعرفه عنه.

وهذه المسافة الصغيرة بين الجملتين تحمل قدرًا كبيرًا من الإنسانية.

الذين نحكم عليهم يشبهوننا أكثر مما نظن

كثير من القسوة في الحكم تأتي من وهم خفي:

هذا لا يمكن أن يحدث لي.

من ينهار ضعيف.

من يخطئ متهور.

من يخاف جبان.

من يعود إلى علاقة آذته لا يملك كرامة.

من يفشل لم يعمل بما يكفي.

ثم تضع الحياة الإنسان ذات يوم في موقف لم يتخيله.

ويفعل شيئًا كان ينتقده في الآخرين.

أو يتردد حيث كان يظن أنه سيكون شجاعًا.

أو يتعلق بشيء كان يسخر ممن يتعلقون به.

عندها يتغير شيء في نظرته.

ليس لأنه فقد مبادئه، بل لأنه اكتشف أن البشر لا يتحركون دائمًا من المكان الذي تبدو منه الأمور واضحة للمتفرج.

هناك مسافة بين الوقوف خارج النار والوقوف داخلها.

ولهذا تصبح بعض التجارب نوعًا من التربية الأخلاقية؛ لا لأنها تجعل الإنسان أكثر معرفة فقط، بل لأنها تجعله أقل غرورًا في معرفته.

اتساع الرؤية لا يجعل الأشياء رمادية دائمًا

هناك ظلم واضح.

وخيانة واضحة.

وقسوة لا تحتاج إلى فلسفة طويلة كي تُرفض.

وليس النضج أن يتحول الإنسان إلى شخص عاجز عن تسمية الخطأ باسمه.

لكن النضج ربما يظهر في الطريقة التي يُدان بها الخطأ.

يمكن رفض فعل من غير كراهية صاحبه.

ووضع حدود من غير تشويه.

والابتعاد من غير الانتقام.

والقول: «ما فعلته لا أقبله» دون الحاجة إلى القول: «أنت أسوأ إنسان في الوجود».

لأن العدالة شيء، والرغبة في إلغاء الآخرين شيء آخر.

المعرفة الحقيقية تُنتج التواضع

من يقرأ التاريخ طويلًا يكتشف كم تغيرت يقينيات البشر.

ومن يقرأ علم النفس يعرف كم تخدعنا ذاكرتنا ودوافعنا.

ومن يراقب الحياة يرى أناسًا ظنهم صالحين ثم اكتشف فيهم ما لم يتوقع، وآخرين أساء فهمهم ثم ظهرت لهم وجوه أخرى.

ومع تراكم هذه المعرفة يصبح من الصعب استخدام الكلمات المطلقة بسهولة:

دائمًا.

أبدًا.

كلهم.

لا أحد.

فكلما اتسعت المعرفة، ازدادت التفاصيل.

وكلما ازدادت التفاصيل، ضاقت المساحة المتاحة للأحكام السهلة.

ربما لهذا كان أكثر الناس فهمًا للإنسان أقلهم اندفاعًا في تفسيره.

ليس لأنهم لا يملكون رأيًا، بل لأنهم يعرفون كم من المعلومات قد تكون غائبة.

بعض الناس لا يحتاجون إلى حكم… بل إلى مسافة

ليس مطلوبًا أن نفهم كل شخص.

وليس واجبًا أن نبقى قريبين ممن يؤذينا حتى نكتشف الأسباب العميقة لسلوكه.

أحيانًا يكفي أن نعرف أن وجوده يضرنا، فنبتعد.

دون محكمة داخلية تستمر سنوات.

ودون حاجة إلى إثبات أنه شرير وأننا أبرياء تمامًا.

يمكن أن ينتهي بعض الناس من حياتنا بجملة أكثر نضجًا:

لم يكن وجودنا معًا جيدًا.

لا بطل كامل.

ولا شرير كامل.

مجرد شخصين لم يعد الطريق يتسع لهما معًا.

وربما تكون هذه النظرة أرحم بالنفس أيضًا؛ لأنها تحررها من الحاجة الدائمة إلى إصدار حكم نهائي على كل من مر بها.

كلما اتسعت الرؤية ضاقت الأحكام

ربما يكون هذا أحد التحولات التي لا تحدث فجأة.

يبدأ الإنسان حياته راغبًا في فهم الناس من خلال تصنيفهم.

ثم يكتشف مع الوقت أن البشر أكبر من التصنيفات.

فيصبح أقل اندفاعًا إلى السؤال:

من المخطئ؟

وأكثر اهتمامًا بسؤال:

ماذا حدث؟

وأقل رغبة في القول:

كيف استطاع أن يفعل ذلك؟

وأكثر قدرة على التفكير:

ما الذي يجعل إنسانًا يصل إلى هذه النقطة؟

لا ليبرر له.

بل ليفهم الحياة كما هي، لا كما يرغب أن تكون.

ومع كل اتساع في الرؤية يسقط حكم قديم.

وتلين قناعة متصلبة.

ويتضاءل الشعور بأن الإنسان قادر على قراءة الآخرين من الخارج.

حتى يصل إلى إدراك بسيط:

كل إنسان تراه هو حياة كاملة لم تعش منها دقيقة واحدة.

لذلك يمكن رفض الأفعال، ووضع الحدود، والابتعاد، والمحاسبة، وحتى الغضب.

لكن يبقى شيء من التواضع ضروريًا قبل إصدار الحكم الأخير.

لأن الحياة، كلما كُشف منها جانب، أظهرت جانبًا آخر.

ولأن البشر، مهما بدوا واضحين من بعيد، يصبحون أكثر تعقيدًا كلما اقتربت منهم.

لهذا ربما تكون إحدى علامات اتساع العقل ليست كثرة ما يحكم عليه…

بل كثرة الأشياء التي أصبح يتردد قبل أن يحكم عليها.




                                                                        تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة