لم تكن الكلمات مذنبة بل كانوا أرخى من احتمالها
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لم يكن الذنب ذنب الكلمات، بل كانوا أرخى من احتمالها
لم تكن الكلمات جارحةً كما زعموا؛ كانت واضحةً فحسب. غير أنهم اعتادوا المعاني مكسوّةً بالمحاباة، والحقائق مقصوصة الأطراف، والعبارات التي تنحني قبل أن تبلغ مسامعهم. فلما جاءتهم الكلمة قائمةً على ساقيها، لا تتلعثم ولا تستأذن، وصفوها بالقسوة؛ لأنهم كانوا أرخى من أن يحتملوا استقامتها.
فالناس لا تؤذيهم الكلمات دائمًا، بل قد يؤذيهم أن يروا أنفسهم فيها بلا تزويق. وما يسمّونه تجريحًا ليس في كل مرة سوى حقيقةٍ وقفت أمامهم عاريةً، فلم يجدوا ثوبًا يوارونها به، فاتهموا المرآة بدلًا من الاعتراف بما انعكس عليها.
لم تكن الكلمة حادّة، بل كان موضعها هشًّا
ليست قسوة الكلام في ألفاظه وحدها، بل في الموضع الذي يقع عليه. قد تمرّ العبارة نفسها على قلبٍ متين فتوقظه، ثم تقع على نفسٍ رخوة فتستفزّ فيها كل ما أخفته طويلًا.
وحين تقول لأحدهم ما ظلّ يهرب منه، فلن يسمع عبارتك كما نطقتها، بل كما خشيها. ستختلط كلماتك في داخله بأصواتٍ قديمة، وندوبٍ لم تندمل، وشكوكٍ كان يطمرها تحت ضجيج الثقة. ثم يحمل إليك أوجاعه كلها، ويضعها في فمك، ويقول: أنت من قلت ذلك.
لم تقله، لكنه سمعه.
وهنا تُدان الكلمة بجرائم لم ترتكبها؛ لأنها بلغت موضعًا كان صاحبه يحرص ألّا يمسّه أحد. ولو كانت النفس أكثر صلابة، لفرّقت بين من يهينها ومن يوقظها، وبين العبارة التي تُحطّم قدرها وتلك التي تهدم وهمها.
غير أن الإنسان الذي بنى طمأنينته فوق وهم، سيرى كل حقيقةٍ زلزالًا.
الذين يريدون الصراحة بعد تهذيبها
يقولون إنهم يحبون الصراحة، لكنهم في الحقيقة يحبون نسخةً مؤدبةً من الموافقة. يريدونك واضحًا ما دامت كلماتك توافق الصورة التي صنعوها عن أنفسهم، فإذا خالفتها أصبحت فظًّا، وإذا كشفت تناقضهم صرت متعاليًا، وإذا امتنعت عن تزيين خطئهم اتهموك بقلة الرحمة.
إنهم لا يرفضون أسلوبك بقدر ما يرفضون المعنى الذي حمله الأسلوب إليهم.
ولو قلت الحقيقة همسًا لآلمتهم، ولو كتبتها بماء الورد لوجدوا في عطرها إساءة. فالمشكلة لم تكن في ارتفاع صوتها، وإنما في أنها وصلت. وما غضبهم إلا محاولةٌ لتغيير جهة المحاكمة؛ كي تصبح أنت المتهم، فلا يضطرون إلى الوقوف أمام أنفسهم.
ومن عجيب طبائع البشر أنهم قد يغفرون للكاذب كذبته إذا أراحهم، ولا يغفرون للصادق صدقه إذا عرّاهم. يأنسون بمن يربّت على أوهامهم، ويتوجّسون ممن يضع إصبعه على موضع العطب. ثم يسمّون الأول لطيفًا، والثاني قاسيًا، كأن اللطف أن تترك إنسانًا يهوي ما دمت لا تزعجه بالتحذير.
رخاوة الداخل لا فظاظة العبارة
ليس الرخو إنسانًا حساسًا بالضرورة؛ فالحساسية رقّةٌ في الإدراك، أما الرخاوة فعجزٌ عن احتمال ما لا يوافق الهوى. الحساس قد يتألم ثم يفهم، أما الرخو فيتألم ثم يتهم. الأول يراجع نفسه، والثاني يفتش عن مذنبٍ يعلّق عليه اضطرابه.
ولذلك يبالغ بعضهم في تفتيش ألفاظك، لا طلبًا للمعنى، بل بحثًا عن ثغرةٍ تعفيه من مواجهته. يترك جوهر الحديث ويتعلّق بنبرة الصوت، ويتجاوز الحقيقة إلى توقيت قولها، ثم ينسى كل شيء إلا الكلمة التي يستطيع محاكمتك بها.
لا لأنه لم يفهم مرادك، بل لأنه فهمه أكثر مما أراد.
وقد يُطالبك بأن تعتذر لا عن إساءة، بل عن وضوحك. يريدك أن تنكر ما رأيت، وأن تسحب الاسم الصحيح من الشيء، وأن تعيد الخطأ إلى عتمته كي يستعيد راحته. فإن رفضت، صرت في حكايته ظالمًا؛ لأن كثيرًا من الناس يكتبون رواياتهم بطريقةٍ تجعل كل من واجههم شريرًا.
ليس كل من تأذّى مظلومًا، وليس كل من تكلّم مذنبًا. فقد يوجع الدواء، وتلسع المطهّرات موضع الجرح، وتُبهر العينَ نافذةٌ فُتحت بعد مكوثٍ طويل في الظلام. الألم دليل وقوع الأثر، لكنه ليس برهانًا على وقوع الظلم.
للكلمات ذنوبها أيضًا
ومع ذلك، لا ينبغي أن تُتخذ الصراحة ذريعةً للفظاظة. فبعض الناس يضعون السمّ في العبارة ثم يسمّونه صدقًا، ويهينون الآخرين ثم يختبئون خلف شعار الوضوح. والكلمة مسؤولة حين تُقال للإذلال لا للإفهام، وحين تقصد موضع الضعف لتستعرض قدرتها على الإيذاء.
ثمة فرقٌ بين حقيقةٍ تُقال لأنها واجبة، وحقيقةٍ تُقال لأن قائلها استلذّ وقعها المؤلم. الأولى شجاعة، والثانية قسوة متنكرة في هيئة فضيلة.
لكن حين تكون العبارة موزونة، والمعنى صادقًا، والقصد منزّهًا عن التشفي، فلا ينبغي للكلمة أن تعتذر لأن أحدهم لم يحتملها. ليس من العدل أن نلوّن الحقائق كي تناسب هشاشة المتلقين، ولا أن نُقيم أعمارنا في محراب التأويل خوفًا من أن يغضب الذين لا يقبلون إلا ما يشبههم.
الكلمات لا تخلق ما تكشفه
كانت الكلمات بريئة؛ لأنها لم تصنع فيهم ذلك الوهن، بل كشفت وجوده. لم تهدمهم، وإنما طرقت جدارًا كان آيلًا إلى السقوط. ولم تزرع الشك فيهم، بل حرّكت ما كان ساكنًا تحت قشرة اليقين.
ولهذا غضبوا.
غضبوا لأن العبارة سبقتهم إلى الاعتراف، ولأن أحدًا أبصر ما اجتهدوا في ستره، ولأن اللغة سمّت الأشياء بأسمائها بعد أعوامٍ من التورية. كان بوسعهم أن يتأملوا ما سمعوه، لكنهم اختاروا معاقبة قائله؛ فاتهام اللسان أيسر من إصلاح النفس.
ومضى صاحب الكلمات دون أن يرفع صوته أو يسترد عبارته. لم يعد يُفرط في شرح مقاصده لمن عقدوا النيّة على إساءة فهمها، ولم يُهدر فصاحته في محاكم لا تبحث عن العدل. أدرك أن بعض الناس لا يحتاجون توضيحًا آخر، بل يحتاجون قلبًا أشدّ احتمالًا.
لم يكن الذنب ذنب الكلمات.
كانت الكلمات تؤدي مهمتها القديمة: تكشف، وتسمّي، وتفصل بين ما هو كائن وما يتمنى الناس أن يكون. أما هم، فلم يكونوا ضحاياها كما ادّعوا؛ كانوا فقط أرخى من احتمالها، وأضعف من أن يقفوا أمام معناها دون أن يطلبوا لها مذنبًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق