لن تجد نفسك؛ لأنك الشيء الذي يبحث
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لن تجد نفسك؛ لأنك الشيء الذي يبحث
ثمّة أسئلة لا تُجاب، لا لأنها عصيّة على العقل، بل لأن صياغتها نفسها تُقيم بين السائل والحقيقة حجابًا خفيًّا. ومن أدهى تلك الأسئلة سؤال الإنسان القديم: من أنا؟
يحسب المرء أنه إذا أوغل في نفسه، ونقّب في الذكريات، وأحصى رغباته ومخاوفه وميوله، فسوف يعثر في آخر المطاف على شيء ثابت يسمّيه «أنا». كأن الذات صندوقٌ مستتر في أغوار النفس، وكأن الحفر الطويل كفيلٌ بالوصول إليه.
غير أن الأمر ربما كان أعجب من ذلك.
فماذا لو لم تكن الذات شيئًا يمكن العثور عليه أصلًا؟
ماذا لو كان كل ما تستطيع أن تجده في نفسك إنما هو شيءٌ تراه، بينما أنت ـ في موضع أشد خفاءً ـ ذلك الذي يرى؟
منذ اللحظة التي تقول فيها: «هذه أفكاري»، تكون قد صنعت مسافة بينك وبين الفكر. وحين تقول: «هذا خوفي»، فقد أصبح الخوف شيئًا يقع أمامك. وحتى حين تقول: «هذه شخصيتي»، فإنك تفترض، من غير أن تشعر، وجود شيءٍ يستطيع النظر إلى الشخصية والحكم عليها.
فمن يكون ذلك الناظر؟
وهنا تبدأ الحيرة التي لا تُشبه سائر الحيرات.
كل ما تستطيع رؤيته ليس الرائي
انظر إلى نفسك كما لو كنت غريبًا عنها.
جسدك الذي تحمله اليوم لم يكن بهذا الشكل قبل عشرين عامًا، ولن يبقى عليه بعد عشرين أخرى. خلاياه تتبدل، ملامحه تشيخ، قوته تزيد وتنقص، ومع ذلك تستيقظ في كل صباح وأنت تحمل إحساسًا غامضًا بأنك ما زلت أنت.
ذكرياتك أيضًا ليست مأمونة الثبات؛ تسقط منها وقائع، وتبهت أخرى، وربما تعيد الذاكرة ترتيب أحداث قديمة حتى يصعب عليك أن تعرف أين انتهت الحقيقة وأين بدأ التأويل.
أما آراؤك، فكم من رأي أقسمت في زمن مضى أنه الحقيقة، ثم صرت اليوم تستغرب كيف آمنت به. وكم من شيء أحببته حتى حسبت أنك لا تكون بدونه، ثم مرّ الزمن فأصبح لا يحرك فيك ساكنًا.
الغضب يجيء وينقشع.
الحزن يعمر ثم يبرح.
الحب يشتد ثم يتحول.
القناعات تتبدل.
الرغبات تتناسل ثم تموت.
حتى الاسم الذي تسمعه منذ طفولتك لم تختره، وإنما وجدت الناس ينادونك به، فاستجبت.
فإذا كانت هذه كلها تتغير، فأين تقيم تلك الـ«أنا» التي تقول إن كل ذلك يحدث لها؟
لعل المعضلة أننا نبحث عن الذات بالطريقة نفسها التي نبحث بها عن الأشياء؛ نريد لها هيئةً وحدودًا ووصفًا يمكن القبض عليه. غير أن الرائي لا يمكن أن يصير مرئيًّا بالطريقة ذاتها؛ لأن كل ما يقع أمام الرائي قد صار، بهذا الوقوع نفسه، شيئًا آخر غيره.
العين تستطيع أن ترى الجبال والبحار والوجوه، لكنها لا ترى نفسها إلا بواسطة مرآة.
أما الوعي، فأين مرآته؟
إذا أحضرت له فكرةً ليرى نفسه فيها، رأى الفكرة.
وإذا أحضرت ذكرى، رأى الذكرى.
وإذا أحضرت شعورًا، رأى الشعور.
لكنه يظل وراء كل ذلك، كأنه السراج الذي يكشف الأشياء ولا يقع ضوؤه على ذاته.
من الذي يسمع الصوت الذي في رأسك؟
في داخل الإنسان حديث لا يكاد ينقطع.
تقوم من نومك، فيبدأ الفكر عمله قبل أن تطأ قدماك الأرض. يراجع الأمس، ويتوقع الغد، ويحاكم الناس، ويؤلف المخاوف، ويعيد الحوارات التي انتهت منذ سنوات.
وغالبًا ما نسمّي هذا الصوت «أنا».
لكن تمهّل قليلًا.
أنت قادر على سماع ذلك الصوت.
بل تستطيع أن تقول عنه: «أفكاري مضطربة اليوم».
فمن الذي لاحظ اضطرابها؟
لو كنت الفكر نفسه، لما استطعت أن تقف منه موقف الناظر.
كما أن النار لا تقف بعيدًا عن ذاتها لتقول: إنني مشتعلة.
في داخل التجربة الإنسانية إذن غرابة دقيقة: هناك الفكر، وهناك إدراك وقوع الفكر.
وهناك الألم، وهناك معرفة أنك تتألم.
وهناك الخوف، وهناك شيء فيك يستطيع ملاحظة الخوف حتى وهو يرتجف.
قد يكون ذلك هو السبب في أن المرء يستطيع، في أشد أوقاته اضطرابًا، أن يقول: «أعلم أنني مضطرب».
تلك الـ«أعلم» أشد غموضًا من الاضطراب نفسه.
نحن ندرس محتويات العقل أكثر مما ندرس الحيّز الذي تظهر فيه تلك المحتويات. نهتم بما نفكر فيه، ونغفل عن حقيقة أننا نعرف أننا نفكر.
والإنسان، منذ القديم، شديد الولع بالمحتوى وقليل الالتفات إلى الوعاء.
يسأل ماذا رأيت؟
ولا يكاد يسأل: ما الذي جعل الرؤية ممكنة أصلًا؟
ربما تكون قريبًا من نفسك أكثر مما ينبغي
نحن نظن أن الأشياء الخفية بعيدة.
ولذلك إذا عجز الإنسان عن معرفة نفسه، توهّم أن عليه أن يغوص أعمق، ويقرأ أكثر، ويسافر أبعد، ويجرب حيوات أخرى، عسى أن يصادف ذاته في منعطف ما.
لكن ماذا لو كان سبب عجزك عن العثور على نفسك عكس ذلك تمامًا؟
ماذا لو كانت قريبة إلى درجة يستحيل معها أن تراها؟
أنت تستطيع أن ترى يدك لأنها على مسافة من عينيك.
وترى الجدار لأنه أمامك.
وترى السماء لأنها ليست أنت.
ولكن كيف ترى الشيء الذي تنطلق منه كل رؤية؟
هناك قربٌ يُبصر، وقربٌ يعمي.
وربما كانت الذات من الصنف الثاني.
كمن يحمل المصباح ويجوب به ليلًا يبحث عن مصدر الضوء، غير منتبه إلى أن الأداة التي يبحث بها هي نفسها ما يبحث عنه.
وهذه المفارقة تكاد تكون مُبهِمة: الإنسان هو السائل، وهو في الوقت نفسه موضع السؤال.
إنه يستخدم الوعي ليستقصي ماهية الوعي، كما لو حاولت العين أن تستدير إلى باطنها لترى فعل الإبصار وهو يقع.
لذلك قد يكون سؤال «من أنا؟» محكومًا بشيء من القصور منذ البدء؛ لأنه يفترض وجود اثنين: باحثٍ، وذاتٍ سيعثر عليها.
لكن ماذا لو لم يكونا اثنين؟
ماذا لو كان الباحث هو عين المطلوب؟
حينئذٍ يصبح البحث نفسه هو الحجاب.
أكثر ما تظنه «أنت» قد يكون ما تراكم عليك
يمضي الإنسان سنواته الأولى في اكتساب الأشياء: اسم، لغة، معتقدات، خوف، عادات، تصورات عن النجاح، وحدود عن المقبول والمرفوض.
يأتيه العالم قبل أن يسأل عنه.
يخبره الناس بما ينبغي أن يكون، ثم يكبر وهو يظن أن تلك التراكمات طبيعته الأصيلة.
يقول: «أنا هكذا».
لكنه في أحيان كثيرة لا يعني: «هذه حقيقتي»، بل يعني: «هكذا اعتدت أن أكون».
وهناك فرق شاسع بين الأمرين.
كم من صفة نحملها لأنها تكررت حتى حسبناها هوية؟
وكم من خوف ورثناه من بيوت لم نعد نسكنها؟
وكم من رأي ندافع عنه لأن التراجع عنه سيجبرنا على الاعتراف بأننا لم نكن أنفسنا كما توهمنا؟
ربما لا تكون معرفة الذات إضافة شيء جديد إليها، بل نزع ما ليس منها.
وما أصعب النزع.
فالإنسان يأنس بقيوده إذا طال مقامه فيها، حتى إن الحرية نفسها قد تبدو له في أول الأمر موحشة.
ولهذا فإن معرفة النفس ليست دائمًا مريحة. أحيانًا هي خرابٌ محمود؛ تهدم فيك تعريفات عشت طويلًا تحرسها.
قد تكتشف أنك لست الطموح الذي كنت تتباهى به، بل خائفًا من أن تكون عاديًا.
وأن سخاءك لم يكن كله كرمًا، بل شيء منه طلبٌ خفي للاعتراف.
وأن صمتك لم يكن دومًا حكمة، بل مرات عديدة كان خوفًا من المواجهة.
وأن بعض ما سمّيته حبًّا كان حاجة.
وهنا يحدث ما يشبه الانخلاع: تبدأ الأشياء التي سميتَها «أنا» بالتساقط، واحدةً تلو الأخرى.
لكن الغريب أنك لا تختفي معها.
بل ربما تظهر لأول مرة.
ما يبقى عندما يرحل كل شيء
لو نزعت عنك اسمك، ووظيفتك، ومكانتك، وذكريات الناس عنك، وآراءك، وانتصاراتك، وأخطاؤك، وحتى الحكاية التي ترويها لنفسك عن نفسك…
ماذا يبقى؟
ربما لا توجد إجابة لغوية.
فاللغة خُلقت لتسمية الأشياء، وكل اسم تضعه على الذات يجعلها شيئًا بين الأشياء.
لكن ربما يمكن الاقتراب من الجواب دون القبض عليه.
يبقى ذلك الحضور العجيب الذي كان موجودًا قبل أن تأتي الفكرة، ويظل موجودًا بعد أن تمضي.
ذلك السكون الذي تستطيع ملاحظته بين فكرتين.
ذلك الشيء الذي لم يكن طفلًا حين كان جسدك طفلًا، ولا شيخًا حين يشيخ الجسد؛ لأنه لا يصف نفسه بالعمر، وإنما يشهد مرور العمر.
ولعلنا لهذا نندهش كلما نظرنا في المرآة بعد سنوات طويلة.
نرى وجهًا تغيّر كثيرًا، بينما في الداخل شيء لا يفهم تمامًا كيف مرّ كل ذلك الزمن.
إنه لا يقول: «كنتُ موجودًا».
بل في أعماق لا تبلغها الكلمات، يكاد يقول:
أنا موجود.
دائمًا بصيغة الحاضر.
وهنا قد يبلغ السؤال منتهاه دون جواب نهائي.
ربما لن تجد نفسك كما تجد جوابًا في كتاب، ولا كما تعثر على مدينة في الخريطة.
وربما كلما حاولت الإمساك بها صنعت منها شيئًا آخر ثم وقفت تنظر إليه.
ولهذا قد لا يكون المطلوب أن تعرف «من أنت» تعريفًا أخيرًا.
ربما المطلوب أن تعرف ما لستَه.
لست كل فكرة عبرت بك.
ولست كل خطأ ارتكبته.
ولست كل اسم وصفك به الناس.
ولست حتى القصة التي قضيت أعوامًا ترويها عن نفسك.
كل ذلك ظهر فيك، وتغيّر أمامك، وربما اختفى.
أما ذلك الذي عرف ظهوره واختفاءه، فإنه يظل أكثر الأشياء حضورًا، وأشدها استعصاءً على الرؤية.
ومن هنا تنشأ المفارقة الأخيرة:
قضى الإنسان عمرًا كاملًا يبحث عن نفسه في المرآة، وفي الناس، وفي الإنجاز، وفي الماضي، وفي المستقبل؛ يظن أنه سيعرفها عندما يصل إلى وصفٍ لا يتغير.
ثم ربما يدرك في لحظة نادرة أن الأمر كان معكوسًا منذ البداية.
لم تكن أنت الشيء الذي يبحث عنه.
كنتَ الشيء الذي يبحث.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق