لم أعد أبحث عن الحقيقة… صرت أحتملها
لم أعد أبحث عن الحقيقة… صرت أحتملها
كان الإنسان، في أول أمره، يظن أن الحقيقة شيءٌ يُعثر عليه؛ كأنها ضالّة وراء باب، أو جوابٌ ينتظر سؤالًا حسن الصياغة. ولذلك يمضي ردحًا من عمره يقلّب الأشياء، وينبش خلف ظواهرها، ويزدري الأجوبة السهلة، معتقدًا أن المعرفة إذا اكتملت أراحته.
ثم يكبر قليلًا.
لا في السن فحسب، بل في الاحتمال.
وعندئذ يكتشف أن بعض الحقائق لم تكن مختبئة عنه قط؛ وإنما كان هو مختبئًا منها.
فالحقيقة ليست دائمًا ذلك الضوء الذي يبدّد العتمة. أحيانًا تكون هي الضوء الذي يكشف لك ما كنت سعيدًا بعدم رؤيته.
ومن هنا يبدأ طورٌ آخر من الإنسان؛ طور لا يعود فيه يسأل: أين الحقيقة؟ بل يسأل في سرّه: هل أستطيع أن أعيش بعدما عرفتها؟
المعرفة التي لا تمنحك طريق الرجوع
لكل إنسان جهلٌ كان رحيمًا به.
أمورٌ كان يراها بسيطة لأنها لم تنكشف له بكامل تركيبها، وأشخاصٌ أحبهم لأن المسافة بينه وبين خفاياهم كانت كافية لحماية صورتهم، وأحداثٌ تجاوزها لأنه لم يفهم يومها مقدار ما انتزعته منه.
نحن كثيرًا ما نتصور أن الجهل نقيصة مطلقة، وأن المعرفة فضيلة مطلقة، لكن الحياة أكثر مكرًا من هذه القسمة الساذجة.
فثمة معرفة لا تزيدك قوة، بل تنزع منك القدرة على العودة إلى ما كنت عليه.
حين تفهم مثلًا لماذا انفضّ إنسان عنك، لا تعود القصة مجرد غياب.
وحين تدرك متأخرًا أنك كنت ترى إشارات النهاية منذ البداية، يصبح الماضي كله مختلفًا؛ كأن الأحداث القديمة أُعيدت إليك وقد تغيّرت دلالاتها.
وحين تعرف أنك كنت تستطيع منع شيء ثم لم تمنعه، لا تعود الحقيقة معلومة؛ تصبح حملًا.
وهذه هي المفارقة القاسية: قد نقضي سنوات نطلب تفسيرًا، ثم إذا جاء التفسير تمنّينا لو ظلّ السؤال بلا جواب.
فالإنسان لا يتأذى دائمًا من الأشياء التي يجهلها؛ أحيانًا يتأذى من الأشياء التي لم يعد قادرًا على جهلها.
حين يصبح الفهم امتحانًا للأخلاق
ليس أعظم ما في الحقيقة أنها تكشف الآخرين، بل أنها تكشفك أنت.
قد تبحث طويلًا عن تفسير لتصرف إنسان، ثم تنتهي إلى حقيقة لا تخصه وحده، بل تخصك أيضًا. ترى أين بالغت، وأين قصّرت، وأين خدعتك ثقتك بنفسك، وأين سمّيت العناد مبدأ، وأين لبست رغبتك ثوب الحكمة.
وهنا يبدأ الألم الأشد.
لأن اتهام الآخرين سهل؛ أما أن ترى نصيبك من القصة بلا رتوش فذلك يحتاج إلى مروءة داخلية نادرة.
ولهذا ليس كل من عرف الحقيقة قادرًا على حملها.
بعض الناس إذا عرفها حرّفها كي تحمي كبرياءه. وبعضهم يقتطع منها الجزء الذي يبرئه. وبعضهم يعيد بناء الماضي كله حتى يخرج منه بريئًا.
أما النضج الحقيقي فليس أن تعرف من أخطأ فحسب، بل أن تستطيع النظر إلى الحقيقة كاملة، حتى حين يكون لك فيها موضع لا تحبه.
أن تقول: نعم، حدث بي ظلم، ولكنني أخطأت أيضًا.
نعم، خذلني أحدهم، ولكنني ربما تجاهلت ما كان واضحًا.
نعم، خسرت شيئًا عزيزًا، ولكن بعض الخسائر بدأت من قرار ظننته يومًا انتصارًا.
تلك الاعترافات لا تُقال بسهولة؛ لأنها لا تهزم الخصم، بل تهزم الوهم.
ولعل الإنسان لا يبدأ بالنضج حين يعرف الصواب، بل حين يمتلك من الصلابة ما يجعله قادرًا على الاعتراف بما يعرفه دون أن يفرّ منه.
لم أعد أريد جوابًا لكل شيء
بعد زمن طويل من البحث يصل المرء إلى منزلة غريبة من السكينة.
لا لأنه عرف كل شيء، وإنما لأنه لم يعد يحتاج إلى ذلك.
يدرك أن بعض الأسئلة ستظل ناقصة، وأن بعض الناس سيغادرون قبل أن يشرحوا أنفسهم، وأن بعض القرارات ستبقى عصيّة على الفهم مهما أعدنا تفكيكها.
وهنا يتغيّر معنى الحقيقة.
لم تعد كنزًا يجب امتلاكه، بل قدرًا من الوضوح يكفي كي يعيش الإنسان دون أن يخون عقله.
ليس مطلوبًا أن تعرف لماذا حدث كل شيء.
يكفي أحيانًا أن تعرف أنه حدث.
وليس مطلوبًا أن تفهم كل من رحل.
يكفي أن تعرف أن الرحيل وقع، وأن الحياة لا تعيد ترتيب نفسها كي تمنحك خاتمة مرضية.
كما أنك لست مطالبًا بأن تبرر كل نسخة قديمة منك. كان لها وعيها المحدود، وخوفها، وغرورها، وأسبابها التي لم تعد تراها اليوم بالطريقة نفسها.
وذلك ربما هو أرقى ما تمنحه السنوات: أنها لا تجيب عن كل شيء، بل تجعل حاجتك إلى الأجوبة أقل.
في البداية يبحث الإنسان عن الحقيقة كي ينتصر بها.
ثم يبحث عنها كي يفهم.
ثم يأتي يوم لا يعود فيه راغبًا في الانتصار ولا في اكتمال الفهم؛ يريد فقط أن يكون قادرًا على الوقوف أمام ما عرفه دون إنكار.
وهذا فرقٌ بعيد بين المعرفة والحكمة.
المعرفة تقول لك: هذا ما حدث.
أما الحكمة فتسألك: والآن، ماذا ستفعل بما عرفت؟
ربما لهذا لم أعد أبحث عن الحقيقة كما كنت.
فقد تعلمت أن الحقيقة لا تُقاس دائمًا بمقدار ما تكشفه، بل بمقدار ما تستطيع النفس أن تحمله منها دون أن تتحول إلى مرارة.
ولم أعد أريد أن أعرف كل شيء.
أريد فقط ألا أضطر إلى الكذب على نفسي كي أعيش.
ذلك وحده يكفيني.
فبعد أعوام من مطاردة الأجوبة، يفهم المرء أخيرًا أن أشقّ منزلة في طريق الحقيقة ليست الوصول إليها…
بل البقاء واقفًا بعدها.
تعليقات
إرسال تعليق