الثلج لن يكون أدفأ عندما تؤخر القفز | لماذا نخاف القرار؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



 

الثلج لن يكون أدفأ عندما تؤخر القفز

ثمة أشياء في الحياة لا يُحسنها الانتظار.

ليس لأن العجلة فضيلة، ولا لأن التريّث مذموم، بل لأن بعض الوقائع لا تتبدّل بتأجيلها. يظل الثلج ثلجًا، ويظل الماء باردًا، ويظل القرار الذي تخشاه واقفًا في الموضع نفسه؛ بينما الذي يتغيّر حقًا هو مقدار ما استنزفته وأنت تحدّق إليه.

قد تقف طويلًا عند الحافة، تُقنع نفسك أنك تجمع الشجاعة، بينما أنت في الحقيقة تجمع مزيدًا من التصورات عمّا سيحدث حين تقفز.

تفكر في الصدمة الأولى، وفي ارتجاف الجسد، وفي اللحظة التي يضيق فيها النفس، وفي احتمال أن تكون التجربة أشد مما ظننت.

غير أن الثلج لا يعرف أنك خائف.

ولا الماء يفاوضك على درجة حرارته.

ولا الحياة، في كثير من الأحيان، تعدّل شروطها لأنك احتجت إلى مزيد من الوقت.

وهنا تقع إحدى أكثر حيل العقل خفاءً: أن يجعل التأجيل يبدو كأنه استعداد.

نحن لا نخشى القفزة بقدر ما نخشى اللحظة التي تسبقها

القفز نفسه قد لا يستغرق أكثر من ثانية.

أما الوقوف أمامه فقد يستغرق أعوامًا.

وهكذا يحدث في أكثر القرارات التي شكّلت حياة البشر: وظيفة يعلم المرء أنه يجب أن يتركها، علاقة انتهت معنًى وبقيت عادة، اعتذار يعرف صاحبه أنه مستحق، حقيقة أدركها لكنه يرفض النطق بها، مشروع يؤجله منذ سنوات، مدينة يريد مغادرتها، أو نسخة قديمة من نفسه يعرف في قرارة نفسه أنها لم تعد تصلح للحياة التي يريدها.

ليس الألم دائمًا في الفعل.

أحيانًا يكون الألم الحقيقي في المسافة الواقعة بين معرفتنا بما ينبغي فعله وبين فعلنا له.

تلك المسافة هي موطن الاستنزاف.

فيها تتكاثر الاحتمالات، ويتعاظم الوهم، ويصبح الشيء في الخيال أضخم من حجمه في الواقع.

فالإنسان يستطيع أن يحتمل كثيرًا من الوقائع، لكنه ينهكه توقّعها.

الجسد يتعامل مع الألم حين يقع، أما العقل فيستطيع أن يصنع الألم ألف مرة قبل وقوعه.

ولهذا قد يكون الخوف من البرد أبرد من الماء نفسه.

التأجيل لا يغيّر الحقيقة، بل يغيّرنا نحن

ثمة اعتقاد خفي نسكن إليه حين نؤجل: لعل الظروف تتغير.

لعل القرار يصبح أسهل غدًا.

لعل الشجاعة تهبط علينا كاملة في صباح ما.

لعل ما نخشاه يفقد حدّته إن تركناه طويلًا.

لكن كثيرًا مما نؤجله لا ينضج بالانتظار.

إنه ينتظرنا فقط.

وكلما عدنا إليه وجدناه كما تركناه، إلا أننا نكون قد حملنا إليه تعب الأيام التي أمضيناها في الهرب منه.

وهذا هو الفارق بين الصبر والتسويف.

الصبر أن تنتظر لأن للزمن عملًا يؤديه.

أما التسويف فأن تنتظر من الزمن أن يقوم بالعمل الذي يجب أن تقوم به أنت.

البذرة تحتاج إلى الزمن لتنبت.

أما الباب فلا يحتاج إلى سنة كي يُفتح إذا كانت يدك على المقبض.

ولعل أعجب ما في الأمر أن الإنسان قد يختار ألمًا صغيرًا يتكرر كل يوم هربًا من ألم كبير يحدث مرة واحدة.

يبقى في المألوف لأنه يعرف أذاه.

ويخشى المجهول لأنه لا يعرف مقدار أذاه.

فيختار يقين المعاناة على احتمال النجاة.

ليس ضعفًا دائمًا، بل لأن العقل البشري شديد التعلّق بما يعرفه، حتى وإن كان ما يعرفه مؤذيًا.

فالمعتاد يمنحنا وهم السيطرة.

أما القفزة فتسلبنا ذلك الوهم للحظة.

لكن الحياة الكبرى تبدأ غالبًا من تلك اللحظة تحديدًا؛ حين لا تعود قادرًا على ضمان النتيجة، ومع ذلك تتحرك.

ليست الشجاعة أن يصبح الماء دافئًا

نحن نسيء فهم الشجاعة حين نتصورها حالة يختفي فيها الخوف.

الشجاع قد يخاف تمامًا كما يخاف غيره.

الفرق أنه لا يشترط على الحياة أن تزيل الخوف قبل أن يتحرك.

إنه يعرف أن بعض الطمأنينة لا تأتي قبل الفعل، بل بعده.

وأن الطريق لا يكشف نفسه لمن ظل واقفًا عند بدايته.

وأن اليقين الكامل ترفٌ لا تمنحه الحياة إلا نادرًا.

هناك قرارات لن تعرف صحتها إلا بعد اتخاذها.

ومعارك لن تعرف قوتك فيها إلا بعد دخولها.

وأبواب لن تعرف ما وراءها مهما طال تأملك في مقابضها.

لهذا فإن انتظار اللحظة المثالية قد يكون أكثر أشكال الهروب تهذيبًا.

نسميه حكمة.

ونسميه دراسة.

ونسميه «ليس الآن».

ثم تمر السنوات، ويكتشف المرء أن «ليس الآن» كانت في كثير من الأحيان تعني: أنا خائف.

ولا عيب في الخوف.

العيب الوحيد أن نمنحه أسماء أخرى كي لا نراه.

الحياة لا تطالبك بأن تكون بلا رهبة، وإنما بأن تعرف متى أصبحت الرهبة حارسًا لسجنك.

فبعض الحذر يحفظ الإنسان، وبعضه يمنعه من أن يعيش.

وبينهما شعرة دقيقة لا يعرفها إلا من صدق مع نفسه.

ربما كان القرار الذي تخشاه مؤلمًا فعلًا.

ربما كان الماء باردًا كما توقعت.

وربما كانت القفزة أشد مما تمنيت.

لكن ثمة حقيقة لا تقل أهمية:

لن يصبح الثلج أدفأ لأنك قضيت عامًا آخر تتأمله.

وقد لا تكون المسألة أن تقفز بسرعة، بل أن تكفّ عن خداع نفسك بأن الوقوف طويلًا سيغيّر درجة حرارة الماء.

هناك أشياء يجب التفكير فيها مرارًا.

وهناك أشياء يصبح التفكير فيها بعد حد معين مجرد دوران حول الخوف.

والحكمة ليست أن تتأنى دائمًا، كما أنها ليست أن تندفع دائمًا.

الحكمة أن تعرف متى انتهى دور التفكير وبدأ دور الإرادة.

فإذا بلغت تلك النقطة، لن تحتاج إلى شجاعة خارقة.

ستحتاج فقط إلى ثانية واحدة تكون فيها إرادتك أسرع من خوفك.

ثم تقفز.

سيكون الماء باردًا.

سيرتجف جسدك.

وقد تلعن اللحظة الأولى.

لكن بعد قليل ستعتاد البرودة، ويهدأ النفس، وتكتشف شيئًا كان مستحيلًا أن تعرفه وأنت واقف عند الحافة:

أن أكثر ما أخافك لم يكن الماء؛ بل قرار الدخول إليه.

اقرأ أيضًا :


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة