ثُمَّ لم يمكث حتى انطوى العالم الأكبر | اتساع الإدراك

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :



ثُمَّ لم يَمكُثْ حتى انطوى العالمُ الأكبر

لم يكن العالم كبيرًا لأنه واسع، بل لأن الإنسان لم يكن قد أحاط به بعد.

وكلما ضاق فهمه، اتسعت أمامه الأشياء، وكلما ازداد إدراكه، انكمش كثير مما كان يراه هائلًا حتى غدا في عينه أمرًا يمكن تفسيره، أو احتماله، أو تجاوزه.

ولهذا ربما لا يكبر العالم خارجنا بقدر ما يكبر داخل جهلنا به.

نرى الجبل عظيمًا حتى نصعده، ونهاب البحر حتى نعبره، ونخشى السؤال حتى نجرؤ عليه، ثم إذا بالشيء الذي كان يحتل نصف وعينا ينكمش إلى حجمه الحقيقي.

كأن الأشياء تستمد ضخامتها من المسافة بيننا وبينها.

فإذا اقتربنا منها، زال عنها بعض السحر، وبعض الرهبة، وبعض السلطان.

ثم لم يمكث الإنسان طويلًا حتى بدأ العالم الأكبر ينطوي أمامه.

لا لأن الكون صغر.

بل لأن عينه اتسعت.

ليست الأشياء كما تبدو في أول النظر

البدايات خادعة.

فالإنسان حين يواجه فكرة جديدة يراها كتلة واحدة، وحين يقابل علمًا يراه بحرًا بلا شاطئ، وحين يدخل مجتمعًا غريبًا يظن أن كل ما فيه عصيّ على الفهم.

ثم تبدأ التفاصيل في الظهور.

وكل ما كان كتلةً يتجزأ.

وكل ما كان غامضًا تتضح له حدود.

وتلك طبيعة الإدراك: أنه لا يجعل العالم أفقر، لكنه يجعله أقل استبدادًا.

فالجهل يمنح الأشياء سلطانًا لا تستحقه.

لا لأن المجهول أقوى، بل لأن العقل يملأ فراغه بما يتخيله.

ولهذا تكون المسافة بين الإنسان والحقيقة أحيانًا أضخم من الحقيقة نفسها.

وما إن يقترب حتى يكتشف أن كثيرًا مما أخافه لم يكن إلا فراغًا أتمّه بخياله.

العالم الذي نحمله أكبر من العالم الذي نراه

لا يرى اثنان الشيء ذاته بالطريقة ذاتها.

فكل إنسان يأتي إلى العالم محمّلًا بقاموسه، وتجاربه، وتصوراته، ومخاوفه، وأسئلته.

ولهذا لا يدخل العالم إلى الإنسان كما هو.

إنه يمر أولًا عبره.

قد يرى أحدهم في الصمت هيبة، ويراه آخر جفاءً.

ويرى أحدهم في الوحدة راحة، ويرى غيره فيها تهديدًا.

ويرى إنسان في السلطة مسؤولية، بينما يراها آخر امتيازًا.

الأشياء واحدة، لكن العوالم مختلفة.

وهنا نفهم أن «العالم الأكبر» قد لا يكون مساحة جغرافية، ولا مجموع الممالك والبحار، بل ذلك النظام المعقد من المعاني الذي يعيش في الرأس.

فالإنسان لا يسكن الكون فقط.

إنه يسكن تفسيره للكون.

وقد يكون تفسير واحد أقوى عليه من ألف حقيقة.

حين يبدأ العالم في الانطواء

الانطواء هنا ليس فناءً.

بل اختزال.

حين تفهم قانونًا كان يحكم عشرات الظواهر، تنطوي تلك الظواهر في قاعدة.

وحين تدرك نمطًا متكررًا في السلوك، تنطوي أمامك أحداث كثيرة تحت معنى واحد.

وحين تعرف أصل مشكلة، تتضاءل عشرات الأعراض التي كانت تربكك.

المعرفة تفعل شيئًا عجيبًا: تحول الكثرة إلى نظام.

وهذا سر من أسرار العقل.

إنه لا يحتمل أن يعيش في فوضى كاملة، فيبحث عن الروابط، ويجمع المتفرق، ويرد الجزئيات إلى أصولها.

وقد يكون هذا هو معنى النضج الفكري نفسه: أن تتوقف عن رؤية كل حادثة كأنها كون مستقل، وتبدأ في رؤية ما يربط الأشياء ببعضها.

عندها لا تختفي التفاصيل.

لكنها تكف عن أن تُرهبك.

كلما اتسعت الرؤية قلَّت المفاجآت

ليس الحكيم من يعرف ما سيحدث دائمًا، فهذا مستحيل.

لكن صاحب الرؤية الواسعة لا تفاجئه الأشياء بالطريقة ذاتها.

لأنه لا يقرأ الحدث وحده.

يرى ما وراءه.

ويعرف أن البشر يتكررون أكثر مما يظنون.

وأن القوة لها طبائع.

والخوف له طبائع.

والجماعات لها طبائع.

والرغبات حين تجتمع بالفرصة تنتج أنماطًا تكاد تعيد نفسها بأسماء مختلفة.

ولهذا يبدو بعض الناس كما لو أنهم يرون أبعد من غيرهم.

ليس لأنهم يعرفون الغيب.

بل لأنهم قرأوا ما يكفي من التكرار حتى أصبحت أمامهم الفوضى أقل فوضى.

وما نسميه فراسة أحيانًا قد يكون حصيلة تراكم هائل لملاحظات صغيرة لم ينتبه إليها الآخرون.

وهكذا ينطوي العالم الأكبر شيئًا فشيئًا.

تصبح الأشياء قابلةً للقراءة.

لا سهلة، ولكن مقروءة.

المعرفة لا تُصغّر العالم دائمًا؛ قد تعيد له هيبته

لكن ثمة مفارقة.

كلما ازداد الإنسان معرفةً، أدرك مقدار ما لا يعرف.

في البداية يظن الجاهل أن الأشياء قليلة وبسيطة.

ثم يتعلم شيئًا، فيكتشف خلفه عشرة أبواب.

ويفتح بابًا، فيجد مدينة.

وهنا يعود العالم للاتساع مرة أخرى، ولكن اتساعًا مختلفًا.

ليس اتساع الرهبة الجاهلة.

بل اتساع الدهشة الواعية.

فالطفل يندهش لأنه لا يعرف.

والعارف يندهش لأنه يعرف مقدار ما بقي خارج معرفته.

وبين الدهشتين مسافة عمر كامل.

ولهذا لا يقود العلم الصادق إلى الغرور إلا إذا توقف صاحبه مبكرًا.

أما من استمر طويلًا، فغالبًا ما يعود إلى شيء من التواضع؛ لأنه يرى أن كل إجابة حقيقية تفتح سؤالًا أدق.

وهكذا ينطوي العالم ثم ينفتح.

يصغر من جهة.

ويكبر من أخرى.

أعظم التحولات تبدأ حين يتغير موضع الإنسان من المشهد

في أول الطريق، يظن الإنسان أنه مركز العالم.

أن الناس تراه كما يرى نفسه.

وأن الأشياء تتحرك حوله.

وأن الأحداث تحمل رسائل شخصية موجهة إليه.

ثم تنضج الرؤية.

ويكتشف أنه جزء صغير من أنظمة أكبر، وأن العالم لا يتوقف حين يتوقف، ولا يبدأ حين يبدأ.

وهذا الاكتشاف قد يبدو قاسيًا، لكنه يحمل قدرًا هائلًا من التحرر.

فحين تكف عن اعتبار نفسك مركز كل شيء، تتوقف أيضًا عن حمل أعباء ليست لك.

لا يعود كل صمت إساءة.

ولا كل رفض إهانة.

ولا كل اختلاف حربًا.

تتضاءل الذات قليلًا.

لكن الرؤية تتسع كثيرًا.

وهذا أحد أجمل وجوه انطواء العالم: أن الأشياء تفقد تضخّمها حين تتوقف عن قياسها كلها بنفسك.

وربما كان الإنسان هو العالم الأكبر

لماذا يبدو بعض الناس كأنهم أوسع من أعمارهم؟

لأن داخل الواحد منهم طبقات من الفكر، واللغة، والتجربة، والحدس، والتناقض، والقدرة على تخيل ما لم يحدث.

الإنسان كائن عجيب؛ يستطيع أن يحمل مدينة لم يزرها، وزمنًا لم يعشه، وفكرة ولدت قبل قرون، واحتمالًا لم يقع بعد.

يستطيع أن يقرأ عن نجم بعيد، ثم يتأثر بكلمة قيلت في غرفة صغيرة.

يجمع الهائل والدقيق في وعي واحد.

ولهذا لعل العالم الأكبر ليس هناك تمامًا.

لعل بعضه هنا.

في ذلك الرأس الصغير الذي يستطيع أن يتصور الكون كله.

وفي تلك اللغة التي تستطيع أن تختصر حربًا في سطر.

وفي العقل الذي يأخذ آلاف الوقائع ثم يصوغ منها فكرة واحدة.

وعندما يفهم الإنسان هذا، يبدأ العالم الخارجي في الانطواء داخله، لا امتلاكًا، بل معنى.

يصبح البحر فكرة.

والسلطة مفهومًا.

والتاريخ نمطًا.

والمجتمع شبكة.

والإنسان سؤالًا.

ثم يمضي قليلًا في الفهم، فإذا بما كان متفرقًا يجتمع، وما كان هائلًا يتحدد، وما كان بلا اسم يدخل في اللغة.

ثم لم يمكث حتى انطوى العالم الأكبر.

لا لأن العالم انتهى.

بل لأن العقل تعلّم كيف يحمله دون أن يُسحق تحته.

انظر أيضًا :

تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة