لم أكن أعلم أنكِ وطني… بل موطني

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


2013


لم أكن أعلم أنكِ وطني… بل موطني

لم أكن أعلم أن الإنسان قد يقضي عمره كاملًا يبحث عن مكان، ثم يكتشف متأخرًا أن بعض الأمكنة لا تُبنى من حجر.

كنت أظن الوطن أرضًا واسعة، أسماء شوارع، أبوابًا مألوفة، وجوهًا اعتدناها حتى صرنا لا ننتبه إلى حضورها.

كنت أظنه شيئًا نغادره فنشتاق إليه، ونعود إليه فنسكن.

ولم يخطر ببالي أن الوطن قد يكون إنسانًا.

بل لم أفهم الأمر حقًا إلا حين عرفت أنكِ لم تكوني وطني فحسب.

كنتِ موطني.

وهناك فرق لم أعرفه إلا بعد أن صار للفرق ثمن.

الوطن شيء… والموطن شيء آخر

الوطن أكبر منا.

ننتمي إليه حتى ونحن بعيدون عنه.

نحمله في الاسم والذاكرة واللغة والحنين.

أما الموطن فهو أكثر خصوصية.

هو الموضع الذي تأوي إليه النفس حين تتعب من اتساع العالم.

وقد يكون للمرء وطن كامل، لكنه يعيش عمره يبحث عن موطن.

مكان لا يحتاج فيه إلى أن يشرح نفسه.

لا يتهيأ قبل الدخول.

لا ينتقي عباراته.

لا يخشى سوء الفهم.

مكان يستطيع أن يضع فيه أثقاله دون أن يخاف أن تُحسب عليه.

ولم أكن أعرف أنكِ كنتِ ذلك المكان.

كنتُ أراكِ جزءًا من الحياة، ولم أنتبه أنكِ كنتِ المكان الذي كانت الحياة نفسها تستقيم داخله.

والإنسان قليل الفطنة تجاه الأشياء التي تألفها روحه.

لا يعرف قيمة الضوء وهو حاضر.

ولا يلاحظ سعة البيت حتى يضيق به مكان آخر.

ولا يفهم معنى الطمأنينة إلا بعد أن يبدأ في البحث عنها ولا يجدها.

بعض الأشياء لا نعرف أسماءها إلا بعد فقدها

كثير من الحقائق تأتي متأخرة.

ليس لأننا كنا أغبياء.

بل لأن بعض النعم لا تُعرّف نفسها أثناء وجودها.

تأتي هادئة.

تعيش معنا.

تصبح جزءًا من انتظام الأيام.

ثم نعامل وجودها كما نعامل الهواء: ضروريًا إلى درجة أننا نتوقف عن ملاحظته.

وحين يغيب، يصبح كل شيء أكثر وضوحًا.

عندها فقط نفهم.

نفهم أن الشخص الذي كنا نتحدث إليه بلا حساب لم يكن مجرد شخص.

وأن الصوت الذي اعتدناه لم يكن مجرد صوت.

وأن وجود إنسان واحد قد يكون هو الشيء الذي يجعل يومًا كاملًا أقل قسوة.

ولعل أقسى ما في الفقد ليس أن يغيب من نحب.

بل أن يمنحنا غيابه أسماءً جديدة لكل ما كان يفعله وجوده بنا.

فنسمي الضحكة أمانًا.

والحديث سكينة.

والقرب مأوى.

والإنسان موطنًا.

بعد أن كان كل ذلك يبدو عاديًا.

كنت أعود إليكِ دون أن أعرف أنني أعود

هناك أشخاص نزورهم.

وأشخاص نلتقي بهم.

وأشخاص نذهب إليهم.

لكن هناك شخص واحد ربما نشعر معه بأننا عدنا.

لا يحتاج الأمر إلى سفر.

قد تكون في المدينة نفسها.

في الشارع ذاته.

لكن شيئًا في داخلك ينتقل من الاغتراب إلى السكون بمجرد وجوده.

وهذا هو الموطن.

أن تشعر بأنك أقل دفاعًا عن نفسك.

أقل توترًا.

أقل اضطرارًا إلى أن تكون نسخة محسوبة منك.

أن تكون كما أنت، ثم تجد أن ذلك يكفي.

كنت أعود إليكِ دون أن أعرف أنني أفعل.

ولم أفهم معنى تلك العودة إلا حين صارت المسافة لا تُقاس بالكيلومترات.

فالغياب الحقيقي لا علاقة له بالخرائط.

قد يكون الإنسان على بعد أمتار ويصبح أبعد من قارة.

وقد يسكن في آخر الأرض وتبقى روحه أقرب من كل من حولك.

لم أكن أعرف أن الطمأنينة شخص

يعيش الرجل طويلًا وهو يظن أن قوته في قدرته على الاكتفاء.

أن لا يحتاج أحدًا.

أن يقف وحده.

أن يسند نفسه بنفسه.

وفي هذا شيء من الحق.

لكن القوة لا تعني أن الإنسان بلا موطن.

حتى أقوى الناس يحتاجون مكانًا لا يمارسون فيه قوتهم.

مكانًا لا يحتاجون داخله إلى الحراسة.

فالذي يقف طويلًا يحتاج إلى موضع يجلس فيه.

والذي يحمل كثيرًا يحتاج إلى مكان يضع فيه حمله.

والذي يواجه العالم يحتاج إلى مساحة لا يواجه فيها أحدًا.

ولم أكن أعرف أنكِ كنتِ تلك المساحة.

ربما لأنني لم أكن أبحث عنها.

وربما لأن الأشياء التي تأتي دون طلب يسهل علينا أن نظن أنها ستبقى دون جهد.

وهذه من قسوة الاعتياد.

يجعل الأشياء الثمينة تبدو عادية فقط لأنها لم تغب بعد.

ليست كل البلاد أوطانًا… وليست كل القلوب مواطن

يمر الإنسان بأماكن كثيرة.

يسكن بيوتًا.

يعرف مدنًا.

يجلس إلى وجوه لا يحصيها.

لكن قلةً نادرة فقط تمنحه ذلك الإحساس الملتبس:

أن العالم، بكل اتساعه، صار أقل وحشة.

وقد لا يفهم لماذا.

فالموطن ليس أجمل مكان.

وليس أكثر مكان راحة.

بل هو المكان الذي لا تضطر فيه النفس إلى السؤال:

هل أنا مرحب بي هنا؟

ولهذا قد لا يكون فقدان إنسان كفقدان شخص.

قد يكون فقدان جغرافيا كاملة.

تصبح الأماكن التي كانت جميلة محايدة.

والطرقات التي كانت تؤدي إلى شيء تصبح مجرد طرق.

وتفقد الأشياء أسماءها القديمة.

كأن غياب شخص واحد يغيّر تخطيط العالم كله.

لم تكوني الوطن الذي أحتمي به… بل الموطن الذي أسكنه

الوطن نستظل به.

أما الموطن فنسكنه.

الوطن قد يكون شيئًا نحبه.

أما الموطن فهو شيء تتداخل معه هويتنا حتى يصعب أن نعرف أين ينتهي وأين نبدأ.

وهذا ما لم أكن أعرفه.

لم أكن أراكِ نجاةً من العالم.

كنت أظنني قادرًا على العالم.

ولم أكن مخطئًا تمامًا.

لكنني لم أفهم أن القدرة على مواجهة العالم شيء، وأن وجود مكان تعود إليه بعد المواجهة شيء آخر.

كان بوسعي أن أمضي.

وما زال بوسعي.

لكن المضي ليس دائمًا دليلًا على أن شيئًا لم يُفقد.

نحن نستمر في أشياء كثيرة لا لأن خسائرنا قليلة، بل لأن الحياة لا تتوقف كي تمنحنا وقتًا كافيًا لفهمها.

وبعض المعرفة تأتي بعد فوات حاجتها

ربما لا ينفع الإنسان أن يفهم متأخرًا.

فالوعي لا يعيد الأيام.

ولا يصلح كل ما أفسدته الغفلة.

ولا يمنحنا دائمًا فرصة ثانية.

لكن للفهم قيمة أخرى.

أنه يمنعنا من الكذب على أنفسنا.

أن نقول:

كان شيئًا عابرًا.

لم يكن مهمًا.

لقد تجاوزته.

بينما نعرف في داخلنا أن بعض الأشياء لا تُتجاوز بهذا المعنى البسيط.

نحن فقط نتعلم كيف نحمل أثرها دون أن يوقفنا.

ولا أريد أن أختصر ما كان في كلمة «حنين».

فالحنين أضيق من ذلك.

الحنين اشتياق إلى شيء مضى.

أما الموطن فهو شيء تدرك بعد غيابه أن جزءًا من تعريفك للأمان كان قائمًا عليه.

وفي النهاية

لم أكن أعلم أنكِ وطني.

ثم أدركت أن العبارة نفسها لم تكن دقيقة.

فالوطن يمكن أن يبقى وطنًا ونحن بعيدون عنه.

نعرف حدوده.

نعرف اسمه.

ونعرف طريق العودة إليه.

أما أنتِ فكنتِ شيئًا آخر.

كنتِ المكان الذي لم أكن أحتاج داخله إلى العودة، لأنني كنت أصل إليه فأشعر أنني وصلت.

ذلك هو الفرق.

ولذلك حين أقول اليوم إنكِ كنتِ وطني، أشعر أنني أقول نصف الحقيقة فقط.

أما نصفها الآخر، والأشد وقعًا، فهو:

لم أكن أعلم أنكِ وطني… بل موطني.

الوطن ما ننتمي إليه.

أما الموطن…

فهو ما نشعر أننا ننتمي داخله إلى أنفسنا.

اقرأ أيضُا:


تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة