تأخُّرك سيسبق الجميع | فلسفة التأخر والنجاح

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




تأخُّرك سيسبق الجميع

«ليس كلُّ من تقدَّم قد سبق، ولا كلُّ من تأخَّر قد تخلَّف؛ فقد يكون السبقُ الحقيقيُّ في الامتناع عن الوصول قبل الاكتمال».

ما أكثر الذين استبدَّ بهم هاجس السبق حتى غفلوا عن حقيقة الوجهة، فصاروا يستعجلون بلوغ الأشياء قبل استحقاقها، ويقيسون نضجهم بمواقع الآخرين، كأن الحياة مضمارٌ واحد، وكأن الأقدار قد تعاهدت على نقطة انطلاقٍ مشتركة.

غير أن في الوجود مفارقةً لا يستبينها إلا من أمعن النظر في طبائع الأشياء: أن التقدّم قد يكون صورةً من صور التعجّل، وأن التأخّر قد يكون ضربًا من ضروب الاستعداد الذي لا تُدرك العين مقداره.

فليس كلُّ بطيءٍ عاجزًا، ولا كلُّ متريّثٍ مترددًا، ولا كلُّ متأخرٍ قد أضاع فرصته.

ثمة إنسانٌ يبدو في مؤخرة الركب، بينما تتكوّن في داخله مؤهلاتٌ لم يكتسبها الذين تقدّموه. وحين يحين امتحان الاستمرار، لا تكون الغلبة بالضرورة لمن وصل أولًا، وإنما لمن امتلك ما يجعله قادرًا على البقاء والتجدّد.

وهنا ينبثق سؤالٌ يستحق التأمل:

ماذا لو كان تأخُّرك عن الآخرين هو الذي يمنحك القدرة على تجاوزهم؟

أولًا: ليس السبق أن تصل أولًا، بل أن تصل مكتمل الأدوات

لقد أفسدت المقارنات المتعجلة تصور الإنسان لمعنى النجاح، حتى غدا يحسب الأعوام التي تفصله عن إنجازات الآخرين، ولا يحسب ما يفصله عن امتلاك الكفاءة التي تجعل الإنجاز جديرًا به.

يرى رجلًا بلغ منصبًا رفيعًا في مقتبل عمره، فيظن أن الزمن قد جار عليه. ويُبصر آخر أسّس مشروعًا ناجحًا قبله، فيعدّ نفسه متأخرًا. وما علم أن المقارنة بين المصائر دون اعتبار اختلاف الظروف والقدرات والاختيارات ضربٌ من الجور العقلي.

إن الوصول حدث، أما الاستحقاق فبناء.

وقد يبلغ الإنسان غايته قبل أن تنضج فيه القدرة على صيانتها، فيكون نجاحه المبكر امتحانًا أثقل من طاقته.

وليس المقصود أن كل نجاحٍ سريع زائل، وإنما أن السرعة لا تمنح الإنجاز قيمته، مثلما لا يسلب البطء من الجهد فضيلته.

تأمّل صانعين شرعا في تشييد بناءين؛ عجل أحدهما بإقامة الجدران وإظهار الواجهة، بينما انصرف الآخر إلى تدعيم الأساسات، وتقدير الأحمال، وإحكام ما تستتر به الأرض عن أعين المارة.

سيبدو الأول أسبق زمنًا وأعظم إنجازًا لمن لا يرى إلا الظاهر.

لكن حين يُختبر البناء بما يقتضيه استعماله، تظهر قيمة ما لم يكن مرئيًا أثناء التشييد.

وليس الإنسان بعيدًا عن هذا المثال.

فقد يقضي أعوامًا في اكتساب مهارة، أو تهذيب خُلُق، أو ترسيخ معرفة، أو تصحيح منهج، فلا يرى الناس من سعيه ما يستحق الإشادة.

ثم تأتي مرحلةٌ يصبح فيها ذلك التراكم الصامت أساسًا لتميّزٍ لا يُنال بالعجلة.

وفي كتاب «الذروة: أسرار من العلم الجديد للخبرة»، يشرح الباحث أندرس إريكسون والكاتب روبرت بول أهمية الممارسة المتعمّدة في تطوير القدرات، وأن التفوق لا يقوم على عدد الساعات وحده، وإنما على طبيعة التدريب وكيفية تصحيح الأداء.

إن هذا التصور يعيد ترتيب العلاقة بين الوقت والإنجاز؛ فالعبرة ليست دائمًا بمقدار الزمن الذي مضى، وإنما بمقدار التحول الذي أحدثه في الإنسان.

قد يسبقك الآخرون إلى النتائج، لكنك تستطيع أن تسبقهم إلى امتلاك أسبابٍ تجعل نتائجك أرسخ وأجود.

ومن عجيب المفارقة أن الذين يسخرون من بطء إعدادك قد لا يدركون أنك لا تستعد لخوض المنافسة بأدواتهم نفسها، بل تعمل على اكتساب ما يغيّر طبيعة المنافسة أصلًا.

ثانيًا: قد تكون متأخرًا عن الناس، ولكنك متقدّم على استعجالك

أصبح الإنسان المعاصر محاطًا بإيقاعٍ لا يكاد يسمح له بالتمييز بين الحركة والتقدّم.

كل شيء يدعوه إلى العجلة؛ الأخبار تتسابق، والإنجازات تُعلن، والنجاحات تُعرض في صورٍ مكتملة، حتى يخيّل إليه أن التريّث نقصٌ ينبغي إخفاؤه.

وقد ناقش عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا في كتابه «التسارع الاجتماعي» الكيفية التي أصبحت بها السرعة سمةً عميقة في الحياة الحديثة، من التطور التقني إلى التحولات الاجتماعية وتسارع وتيرة العيش.

غير أن التسارع ليس مرادفًا للازدهار، كما أن الانشغال ليس دليلًا على الإنجاز.

فكم من إنسانٍ استنفد طاقته في ملاحقة الفرص حتى لم تعد له طاقةٌ لاستثمارها!

وكم من آخرٍ ظلّ يبدّل مساراته خشية أن يفوته شيء، فانتهى إلى معرفةٍ مبتورة في كل مسار، دون أن يستوفي واحدًا منها حقه من الإتقان!

أما الإنسان الذي يملك شجاعة التريّث، فإنه لا يُسلّم زمام قراره لضجيج المنافسة.

قد يرفض فرصةً لا تتناسب مع قدراته، ويمتنع عن دخول مشروعٍ لم يستكمل أدواته، ويؤجل قرارًا لا تتضح عواقبه.

لا لأنه يخشى التقدم، وإنما لأنه يدرك أن بعض المكاسب المبكرة تُرتّب أثمانًا مؤجلة.

ومع ذلك، ليس كل تأخير حكمة، ولا كل انتظار إعدادًا.

فمن الخطأ أن يُضفي الإنسان على تقاعسه صفة التأنّي، أو يتخذ من طلب الكمال عذرًا لعدم الشروع.

التأخر الذي يصنع السبق ليس تأخر الأقدام عن الحركة، وإنما تأخر الظهور عن اكتمال العمل.

وثمة فارقٌ شاسع بين رجلٍ ينتظر لأنه لا يريد أن يفعل شيئًا، وآخر يتريّث لأنه يفعل أشياء كثيرة لا يراها الناس.

الأول يُراكم الأعذار، والثاني يُراكم الأسباب.

الأول يستهلك الزمن، والثاني يستثمره.

الأول يؤجل المواجهة، والثاني يستعد لها.

ولعلّ أجمل ما في هذه المفارقة أن الإنسان حين يكفّ عن الركض خلف توقيت الآخرين، يبدأ أخيرًا في إدراك قيمة توقيته هو.

فما جدوى أن تصل في الموعد الذي حدّده لك غيرك، إن كنت ستصل إلى غايةٍ لا تشبهك؟

ثالثًا: أعظم السبق أن تصبح قادرًا على ما لم تكن قادرًا عليه

ليست الغاية من التأخر أن تنتصر على الآخرين، وإنما أن تبلغ من الاقتدار منزلةً تجعلك أقل احتياجًا إلى مقارنتهم بنفسك.

فالسبق الذي يستمد قيمته من هزيمة الناس يظلّ مرتهنًا بوجودهم؛ فإذا غاب المنافسون، ضاع معه بعض معنى الإنجاز.

أما السبق الذي ينشأ من تجاوز حدود القدرة الذاتية، فإنه يظلّ مكسبًا وإن لم يشهد عليه أحد.

وهذا ما يجعل النمو الإنساني أوسع من مجرد المنافسة.

ففي كتاب «العقلية: علم النفس الجديد للنجاح»، تناقش عالمة النفس كارول دويك أثر الاعتقاد بإمكان تطوير القدرات في التعلم ومواجهة التحديات.

وتنبع أهمية هذه الفكرة من أنها تنقل اهتمام الإنسان من إثبات تفوقه في اللحظة الراهنة إلى العمل على رفع مستوى قدراته على امتداد الزمن.

قد يبدأ المرء محدود المعرفة، ثم يصبح واسع الاطلاع.

وقد يكون قليل الخبرة، ثم تُكسبه الممارسة حُسن التقدير.

وقد يتأخر مشروعه عن الظهور، لكنه يُحكم تفاصيله حتى يغدو أكثر قدرةً على مجابهة الاختبار الحقيقي.

وليس هذا وعدًا بأن كل متأخر سينجح، ولا بأن كل مجتهد سينال ما يريد؛ فالحياة تتداخل فيها الإرادة مع الظروف والفرص وعوامل لا يملك الإنسان سلطانًا عليها.

لكن ذلك لا يُبطل حقيقةً بالغة الأهمية: أن التأخر لا يحكم وحده على قيمة الإنسان، ولا يحدد بصورة نهائية ما يستطيع بلوغه.

وفي كتاب «العمل العميق»، يتناول كال نيوبورت قيمة التركيز المتواصل في الأعمال المعرفية المعقدة، وكيف يُعين الابتعاد عن المشتتات على اكتساب المهارات وإنتاج عملٍ أجود.

وهنا تتجلى مفارقة أخرى:

قد يقضي أحدهم يومه يُعلن ما أنجزه، بينما يقضي آخر يومه يُنجز ما سيُعلنه حين يكتمل.

وقد ينال الأول اهتمامًا أسرع، لكن الاهتمام لا يساوي بالضرورة الأثر.

فليس كل من كثر ظهوره عظم إنجازه، ولا كل من قلّ ظهوره ضؤلت منزلته.

إن أعظم ما تصنعه السنوات بالإنسان ليس أن تُقرّبه من غايته فحسب، بل أن تجعله أهلًا لغاياتٍ لم يكن يستطيع تصورها.

وحين يصبح المرء أكثر معرفةً، وأعمق بصيرةً، وأحكم قرارًا، فإنه يكون قد حقق سبقًا حقيقيًا، حتى إن بقي بعض منافسيه أمامه في مقاييس الشهرة أو المال أو المنصب.

ذلك أن التفوق ليس مرتبةً واحدة، ولا طريقًا واحدًا، ولا موعدًا يتساوى فيه الجميع.

الخاتمة: لا تستعجل الوصول فتصل دون نفسك

ليس في التأخر فضيلةٌ قائمة بذاتها، كما ليس في السبق ضمانٌ للاستحقاق.

إنما تتحدد قيمة الزمن بما يُصنع فيه، وتتحدد قيمة الإنجاز بما يحمله من جودةٍ وأثر، لا بمجرد ترتيبه بين إنجازات الآخرين.

فلا تجعل تأخرك شهادةً على عجزك، ولا تتخذه في المقابل وسادةً تُريح عليها تقاعسك.

اعمل حين يعمل الناس، وتعلّم حين يتنافسون، وأحكم البناء حين يتعجلون إظهار الواجهات.

ولا تحتقر خطواتك لأنها لا تُحدث ضجيجًا؛ فكثيرٌ من الأعمال العظيمة تبدأ بتحولاتٍ لا تسترعي الانتباه.

واعلم أن السبق قد يكون في جودة الاختيار، أو في إحكام الصنعة، أو في القدرة على الاستمرار حين تخبو دوافع الآخرين.

وحينئذٍ لن يكون السؤال الأهم: كم شخصًا سبقني؟

بل: ما الذي أصبحت قادرًا عليه اليوم، ولم أكن قادرًا عليه بالأمس؟

فإن وجدت في نفسك معرفةً ازدادت، أو مهارةً نضجت، أو بصيرةً اتسعت، فاعلم أن زمنك لم يكن خاليًا من التقدم، وإن لم تُعلن نتائجه بعد.

وليس عليك أن تصل قبل الجميع لتُثبت أنك لم تتأخر؛ فقد يكون بلوغك في الموعد الملائم لقدراتك وظروفك أعظم شأنًا من وصولٍ مبكر لا تستطيع الاحتفاظ بثمرته.

فلا تأسَ لأن الآخرين سبقوك إلى ما يظهر، ما دمت تبني في نفسك ما يستحق أن يظهر.

وإذا أردت أن تعرف متى يكون تأخرك سبيلًا إلى السبق، فلا تنظر إلى المسافة التي تفصلك عن الناس، وإنما انظر إلى ما أضفته إلى نفسك وأنت تقطعها.

فقد لا تكون آخر الواصلين لأنك أبطأهم، بل لأنك الوحيد الذي أبى أن يصل قبل أن يصبح قادرًا على المضي أبعد.

اقرأ أيضًا :

1. الفشل... عندما يصبح الفشل بداية التاريخ (الفصل الثامن والأخير)

2. هل النضج هبة الزمن أم ثمرة المعاناة؟

3. المعرفة تملأ العقل، أما الإدراك فيغيّر الإنسان

4. الفشل... اطمئن على خوفك من فضلك (الجزء السادس)

5. الفشل في حياة القادة والمصلحين (الجزء الخامس)

                                         

                                                                                         تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة