لن أمارس ذكائي معك أبدًا
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لن أمارس ذكائي معك أبدًا
لن أمارس ذكائي معك أبدًا، لا لأنني أجهل مواضع ضعفك، ولا لأنني عاجزٌ عن الردّ عليك، ولا لأن حجتك أمتن من حجتي. بل لأنني أدركتُ أن الذكاء يفقد شرفه حين يتحول إلى أداةٍ لإذلال الآخرين، وأن الرجل لا يحتاج إلى إظهار قدرته في كل موقفٍ كي يثبت أنه قادر.
أستطيع أن ألتقط التناقض في كلامك، وأن أستخرج من حديثك ما لم تنتبه إلى أنك قلته. أستطيع أن أضعك أمام كلماتك القديمة، وأن أضيّق عليك المسالك حتى لا تجد مهربًا من اعترافٍ لا تريد قوله. وربما أستطيع أن أختار العبارة التي تمسّ أضعف موضعٍ فيك، ثم أقولها بهدوءٍ يجعل أثرها أبقى من الصراخ.
لكنني لن أفعل.
فليس كل ما أستطيعه يليق بي، وليست الغلبة في النقاش دليلًا على رجاحة الرجل. ثمة انتصارات ترفع الصوت وتخفض المقام، وثمة ردودٌ تُسكت الخصم لكنها تفضح قائلها. وأنا لا أريد نصرًا يجعلني أصغر في عيني، ولو جعلني أكبر في أعين الحاضرين.
لقد بلغتُ مرحلةً لا أستعرض فيها حدّة عقلي على من حولي، ولا أحوّل كل اختلاف إلى ميدانٍ لاختبار التفوق. أعرف ما أملك، ولذلك لا أحتاج إلى عرضه كلما استفزني أحد. السيف الأصيل لا يغادر غمده لإخافة كل عابر، والرجل الواثق لا يستنزف نفسه في البرهنة على أنه أذكى من كل من يجلس إليه.
الذكاء ليس رخصةً للعبث بالناس
كنتُ أظن أن سرعة الردّ فضيلة، وأن القدرة على كشف الآخرين نوعٌ من الانتصار. فإذا قال أحدهم كلمةً غير محسوبة، كنتُ أرى أبوابًا كثيرة يمكن أن أدخل منها إلى حجته فأهدمها. وإذا حاول شخصٌ المراوغة، استطعتُ غالبًا أن أعرف إلى أين يريد الوصول قبل أن يكمل كلامه.
ثم أدركتُ أن رؤية موضع الجرح لا تمنحني الحق في الضغط عليه.
الذكاء مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا. فكلما اتسعت قدرة الإنسان على فهم الناس، وجب عليه أن يكون أكثر رحمةً بهم، لا أشد استغلالًا لنقائصهم. إن معرفة مخاوف الآخرين، وحاجاتهم، ومواطن ارتباكهم تمنحك قوةً كبيرة؛ غير أن قيمتك لا تظهر في امتلاك هذه القوة، بل في الطريقة التي تستخدمها بها.
يستطيع الرجل الذكي أن يجعل محدثه يشك في ذاكرته، وأن يبدّل سياق الكلام حتى يبدو بريئًا من خطئه، وأن ينسج من أنصاف الحقائق روايةً محكمة يصعب نقضها. يستطيع أن يقود النقاش إلى النتيجة التي يريدها، ثم يوهم الطرف الآخر بأنه بلغها بإرادته.
غير أن هذه ليست براعةً أعتز بها؛ إنها تلاعبٌ مهما بدا أنيقًا. والذي يجعل عقله مصيدةً للناس قد يربح جولاتٍ كثيرة، لكنه سيفقد شيئًا أثمن: ثقة الذين عرفوه، وسلامه مع نفسه، وقدرته على إقامة علاقةٍ لا تقوم على الحذر.
لن أستخدم فهمي لك كي أتحكم فيك. ولن أجمع أسرارك ثم أستدعيها ساعة الخصومة. ما قلته لي في لحظة أمان سيبقى مصونًا، ولو تغيرت المسافة بيننا. فالسرّ الذي يُؤتمن عليه الرجل لا يتحول إلى سلاحٍ لمجرد أن العلاقة تبدلت.
لن أحوّل الحوار إلى حلبة
لا أدخل الحديث وفي ذهني أن أخرج منه منتصرًا. أريد أن أصل إلى الحقيقة، لا أن أصل بك إلى الهزيمة. فإن كنتُ مخطئًا، فكرامتي لا تمنعني من الاعتراف. وإن كنتَ مخطئًا، فلست مضطرًا إلى إحراجك كي أثبت ذلك.
أعرف أن بعض الناس لا يناقشون الفكرة، بل يدافعون عن صورتهم أمام أنفسهم. وإذا شعر أحدهم بأن اعترافه سيُسقط هيبته، تمسك بخطئه ولو رأى الحقيقة. لذلك لا أضع الرجل في زاويةٍ ضيقة ثم أطلب منه أن يكون منصفًا. أترك له بابًا يحفظ به كرامته؛ لأن المقصود أن يعود إلى الصواب، لا أن يعود إليّ منكسرًا.
قد أستطيع إسكاتك أمام الجميع، لكنني أفضّل أن أفهمك على انفراد. وقد أملك كلمةً تجعل المجلس يضحك عليك، غير أنني سأحتفظ بها؛ فالضحك الذي يُبنى على امتهان إنسان لا يرفع من قدر قائله. خفة اللسان لا تعني خفة الضمير.
لستُ ملاكًا، وقد أغضب وأرغب في الرد. وربما تقفز إلى ذهني عباراتٌ أعرف أنها ستصيب هدفها بدقة. لكن الرجولة ليست في أن أقول كل ما يحضرني؛ إنها في أن أمتلك العبارة وأمتلك معها القدرة على منعها من الخروج.
الرد السريع يريح الغضب لحظة، لكنه قد يترك أثرًا يحتاج أعوامًا ليزول. أما الصمت الواعي فليس عجزًا، بل قرار رجلٍ رأى ما يمكن أن يحدث ثم اختار ألّا يسمح له بالحدوث.
لن أفسر صمتي لك
إذا تركتُ جدالًا، فلا تفترض أنني لم أجد جوابًا. وإذا مررتُ على إساءة دون رد، فلا تبنِ شجاعتك على هدوئي. أنا لا أهرب من المواجهة، لكنني أختار المواجهات التي تستحق جزءًا من عمري.
ثمة معارك لا يفوز بها أحد، حتى إن خرج منها طرفٌ صامتًا والآخر محتفلًا. يكفي أن أجد نفسي مضطرًا للنزول عن لغتي، أو شرح البديهيات، أو تكرار حقيقةٍ قرر شخصٌ سلفًا ألّا يسمعها، لأعرف أن انسحابي أكثر حكمةً من بقائي.
لن أهدر فطنتي في إثبات أمرٍ لمن جعل سوء الفهم موقفًا دائمًا. فالذي يريد الفهم تكفيه إشارة، والذي يريد الخصومة لن تكفيه مكتبة. وليس من واجبي أن أبدد عمري في تصحيح الصورة التي أصرّ الآخر على رسمها لي.
قد تظن أنك غلبتني لأنني لم أجبك. لا بأس. بعض الظنون لا تستحق التصحيح، وبعض الانتصارات الوهمية صدقةٌ نتركها لأصحابها ثم نمضي.
أنا أعرف متى يكون الكلام شجاعة، ومتى يكون الصمت سيادة. أعرف أن الرجل لا يُقاس بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد المعارك التي كان قادرًا على خوضها ثم تجاوزها لأنها لا تشبهه.
لن أستعمل معرفتي ضدك
إن عرفتُ أنك تخشى الفقد، فلن أهددك بالرحيل كلما اختلفنا. وإن عرفتُ أنك تحتاج إلى التقدير، فلن أحرمك منه حتى أضمن خضوعك. وإن رأيتُ فيك موضعًا هشًّا، فلن ألمسه بسوء ثم أعتذر بأنني كنت غاضبًا.
الغضب لا يخلق الكلمات القاسية من العدم؛ إنه يفتح لها الباب فقط. والرجل مسؤول عما يسمح له بالخروج، مهما بلغت استفزازات الآخرين. ليست المروءة أن أحسن معاملتك في الرضا فحسب؛ المروءة الحقيقية أن أبقى عادلًا حين يكون الظلم متاحًا ومغريًا.
لن أستخدم صمتي عقابًا، ولا حضوري مكافأة، ولا اهتمامي وسيلةً لتوجيهك حيث أريد. لن أخلط الحقيقة بنصف كذبة كي أربكك، ولن أنكر ما قلته لأنك لا تملك عليه دليلًا. ضميري ليس محكمةً تحتاج إلى شهود، وأنا لا أحتاج إلى أن يُكشف فعلي كي أعترف بأنه لا يليق.
إن أخطأتُ، سأقول: أخطأت. كلمةٌ قصيرة لا تُنقص الرجل، بل تعيد الأشياء إلى نصابها. أما الذي يستهلك ذكاءه كله في تبرئة نفسه، فسوف ينجح أمام الناس ويفشل أمام مرآته.
لن أجعلك تشعر بأنك أقل
ليس من شأني أن أستعرض معرفتي حيث لا يحتاجها الموقف، أو أن أصحح كل لفظة، أو أحوّل كل مجلس إلى امتحان. المعرفة التي تُشعر الآخرين بالضآلة ليست نورًا؛ إنها مصباحٌ موجه إلى عيونهم.
أستطيع أن أختلف معك دون أن أصفك بالجهل، وأن أرفض رأيك دون أن أنال من عقلك. فالأفكار قابلة للنقد، أما كرامة الإنسان فلا ينبغي أن تكون جزءًا من النقاش. وحين أعجز عن الفصل بين الاثنين، يكون السكوت أولى من كلامٍ يخلط البرهان بالإهانة.
لا أريد أن تخرج من حديثك معي وأنت تبحث عن أخطائك الصغيرة، أو تخشى أن أقتنص عفويتك وأستخدمها مادةً للسخرية. أريدك أن تتحدث مطمئنًا، وأن تعرف أنني لن أحوّل ثقتك إلى فرصة لإثبات تفوقي.
الرجل النبيل لا يجعل الناس أقل كي يبدو أكبر. فمكانته لا تحتاج إلى أجسادٍ منحنية حوله، وهيبته لا تُبنى على خوف الآخرين من لسانه. يستطيع أن يكون حاضرًا دون استعراض، قويًا دون تهديد، وعارفًا دون أن يحمل معرفته فوق رؤوس الناس.
لكن لا تُخطئ قراءة موقفي
امتنـاعي عن ممارسة ذكائي معك لا يعني أنني لا أراك. قد أفهم مقصدك قبل أن تصرّح به، وألاحظ تناقضك منذ العبارة الأولى، وأعرف أنك تراوغ، ثم أترك لك فرصة العودة إلى الوضوح من تلقاء نفسك.
سأمنحك هذه المساحة مرة، وربما مرتين؛ لا سذاجةً، بل احترامًا لاحتمال أن الإنسان قد يخطئ ثم يراجع نفسه. لكن إن جعلتَ المراوغة منهجًا، فلن أنافسك فيها. سأغادر ببساطة.
أنا لا أتلاعب، ولا أقبل أن يُتلاعب بي. لا أفتش عن مواضع ضعفك، لكنني أحمي مواضع قوتي. ولا أستخدم الفهم للإيذاء، غير أنني أستخدمه لمعرفة اللحظة التي ينبغي أن أنسحب فيها.
هناك فرقٌ بين التسامح وإتاحة الإساءة، وبين حسن الظن وتعطيل البصيرة. والرجل الذي لا يخدع الناس ليس ملزمًا بأن يسمح لهم بخداعه. أخلاقي تمنعني من النزول إلى أساليبك إن أسأت، لكنها لا تلزمني بالبقاء إلى جوارك.
الخاتمة
لن أمارس ذكائي معك أبدًا؛ لأنني لا أريد علاقةً يفوز فيها أحدنا ويخسر الآخر. لا أريد أن أراك خصمًا كلما اختلفنا، ولا أن أجعل من فهمي لك وسيلةً للسيطرة عليك.
سأحاورك بوضوح، وأختلف معك بعدل، وأحفظ ما ائتمنتني عليه، وأترك لك كرامتك حتى في اللحظة التي أملك فيها القدرة على جرحها. فإن ظننتَ ذلك ضعفًا، فذلك شأنك. أنا أعرف مقدار القوة اللازمة كي يمتنع الرجل عما يستطيع فعله.
لن أخدعك كي أبقى، ولن أهزمك كي أشعر أنني الأقوى. وإذا أصبحت العلاقة بيننا في حاجةٍ دائمة إلى الحيل، فسأخرج منها دون حيلة واحدة.
ذلك أنني لا أقيس ذكائي بعدد الذين تفوقت عليهم، بل بعدد المرات التي استطعت فيها أن أكون مؤذيًا فاخترتُ أن أكون رجلًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق