ينتثر الدمع على عتبات الخد | حين تعجز الكلمات
ينتثر الدمعُ على عتبات الخد
ينتثر الدمعُ على عتبات الخد، لا لأنه أضعف من أن يبقى، بل لأن شيئًا في الداخل بلغ من الامتلاء حدًّا لم يعد معه للصمت موضع.
والدمعة، مهما بدت ضئيلة، ليست ماءً فحسب. إنما هي آخر ما ينجو من الكلام حين ينهار اللفظ، وآخر ما يستطيع الجسد أن يقوله حين يعجز العقل عن ترتيب ما حدث.
لهذا لا تنزل الدموع دائمًا من الحزن وحده.
قد تأتي من فرط الفرح، ومن وطأة التذكر، ومن عجز الإنسان عن استيعاب لحظة طال انتظارها، ومن وداع لم يكن يملك له عبارة تليق به.
فالإنسان لا يبكي حين يضعف فقط.
أحيانًا يبكي حين يبلغ من القوة حدًّا لا يجد بعده وسيلة أخرى لحمل نفسه.
ما تعجز اللغة عن قوله يتولاه الجسد
نحن نثق باللغة أكثر مما ينبغي.
نظن أن كل ما فينا يمكن شرحه، وأن لكل شعور اسمًا، ولكل وجع وصفًا، ولكل فقد جملةً تُحيط به.
لكن في الإنسان مناطق لا تصل إليها المفردات.
مناطق تعبرها الذكريات دفعة واحدة، وتتقاطع فيها الأصوات والصور والروائح والأيام حتى يصبح تفسير ما نشعر به ضربًا من الاستحالة.
هناك يتكلم الجسد.
ترتعش اليد.
يضيق النفس.
يتباطأ الصوت.
وتنزلق الدمعة كأنها ترجمة لما لم تستطع اللغة أن تحمله.
ولعل هذا هو سر رهبة البكاء الصادق؛ أنه لا يحتاج إلى برهان.
الكلمات قد تكذب.
والوجوه قد تتصنع.
والصوت قد يتقن الثبات.
أما الدمعة التي تخرج رغم مقاومة صاحبها، ففيها قدر من الحقيقة يصعب تزويره.
إنها اعتراف لا يحتاج إلى توقيع.
الدمع ليس دائمًا إعلانًا للهزيمة
كم ظلم الناس الدموع حين جعلوها قرينة الضعف.
كأن الإنسان كي يكون قويًا يجب أن يجف.
وكأن الصلابة أن تموت الأشياء في داخله فلا تحرك فيه شيئًا.
لكن الحجر لا يبكي أيضًا، ولم يكن الحجر يومًا أشجع من الإنسان.
القوة ليست انعدام التأثر.
بل القدرة على ألا يهدمك ما أثّر فيك.
قد يبكي الرجل ثم ينهض إلى عمله.
وقد تبكي امرأة ثم تستجمع من نفسها ما يكفي لسنوات قادمة.
وقد يجلس المرء وحيدًا، يترك عينيه تفعلان ما عجز عنه طوال شهور، ثم يقوم أخف مما جلس.
ليس لأن المشكلة انتهت، بل لأن النفس أفرغت شيئًا كان يثقل مجاريها.
فالدمع، أحيانًا، ليس سقوطًا.
إنه تصريف للفيض.
وما يفيض لا يعني بالضرورة أنه انهزم؛ ربما كان ممتلئًا أكثر مما يحتمل.
بعض الدموع تأتي متأخرة
الغريب أن الإنسان لا يبكي دائمًا في اللحظة التي ينبغي أن يبكي فيها.
قد يقف أمام المصيبة ثابتًا.
يتلقى الخبر.
يرد على الناس.
يرتب ما يجب ترتيبه.
يفعل كل ما تقتضيه اللحظة بوجه يكاد يبدو هادئًا.
ثم، بعد أيام أو شهور، يسقط منه شيء صغير: أغنية، رائحة، صورة قديمة، مقعد فارغ، كلمة عابرة.
فتجيء الدموع كلها مرة واحدة.
كأن النفس كانت تؤجل الانهيار إلى أن تجد مكانًا آمنًا له.
لهذا لا ينبغي أن نستغرب الدموع المتأخرة.
فالوجع لا يسير بحسب التقويم.
والقلب لا يعترف كثيرًا بمواعيد العقل.
قد تنتهي الحادثة في الخارج، بينما تستمر سنوات في الداخل.
وقد يظن الناس أنك تجاوزت، بينما أنت في الحقيقة لم تجد بعد اللحظة المناسبة التي تسمح فيها لنفسك بأن تعرف مقدار ما حدث لك.
الخد ليس موضعًا للدمع وحده
حين ينتثر الدمع على عتبات الخد، يترك وراءه أثرًا لا يكاد يُرى.
خط صغير من الملوحة.
برودة عابرة.
ثم يجف كل شيء كأن شيئًا لم يحدث.
ولعل في هذا شبهًا غريبًا بالحياة نفسها.
أعظم ما يمر بالإنسان قد لا يراه أحد.
قد تجلس بين الناس وفي داخلك خراب كامل، ثم يُطلب منك أن تبتسم فتبتسم.
وقد تسأل عن حالك فتقول: بخير.
ويصدقون.
لا لأنهم غافلون بالضرورة، بل لأن أكثر معارك الإنسان لا تترك آثارًا واضحة على الجسد.
الدمع واحد من الاستثناءات القليلة.
إنه الشيء الذي يخرج من السر إلى العلن.
ولهذا نخفيه أحيانًا.
ندير وجوهنا.
نخفض رؤوسنا.
نمحو أثره سريعًا.
كأننا نخشى أن يقرأ أحد في تلك القطرة ما حاولنا طويلًا ألا نقوله.
هناك بكاء لا يطلب مواساة
ليست كل دمعة استغاثة.
أحيانًا لا يريد الإنسان شيئًا من أحد.
لا عزاء.
ولا تفسيرًا.
ولا يدًا على كتفه.
يريد فقط أن يسمح لما في داخله أن يمر.
فبعض الآلام تفقد هيبتها إذا تحولت إلى حديث طويل.
وبعض الأحزان أكرم من أن تُعرض على المجالس.
لهذا يبكي المرء وحده ثم يمسح وجهه ويمضي.
ليس كبرياء دائمًا.
بل لأن هناك مشاعر شخصية إلى حد أنها تُفسد إذا شاركها كثيرون.
فالإنسان لا يملك كل ما يشعر به لكي يشرحه.
ثمة أشياء يملك فقط أن يعيشها.
ما الذي يبقى بعد أن تجف الدموع؟
تبقى الحقيقة.
وهذا ربما أشد ما في الأمر.
فالدموع لا تعيد الغائب.
ولا تمحو الندم.
ولا تصلح ما انكسر.
إنها لا تغير العالم.
لكنها قد تغير الطريقة التي نحمله بها.
بعد البكاء لا يصبح الماضي أخف، لكن صدر الإنسان قد يصبح أوسع قليلًا.
وهذه ليست فائدة صغيرة.
فليس المطلوب دائمًا أن يختفي الألم.
أحيانًا يكفي أن يصبح قابلًا للحمل.
وأن يتحول من شيء يملأ المشهد كله إلى شيء له مكان محدد فيه.
ربما لهذا خلق الإنسان بقدرة عجيبة على البكاء.
لا ليهرب من الواقع، بل كي يستطيع العودة إليه.
ينتثر الدمعُ على عتبات الخد، ثم يجف.
لكن الذي جرى في الداخل لا يجف بالسهولة نفسها.
ويبقى السؤال:
هل بكينا لأننا عجزنا عن الاحتمال؟
أم لأننا احتملنا أكثر مما ينبغي؟
ربما كلاهما.
وربما لا فرق.
ففي نهاية المطاف، ليست الدمعة سوى لحظة يتخلى فيها الإنسان عن حراسة نفسه.
لحظة قصيرة لا يكون فيها قويًا ولا ضعيفًا.
لا منتصرًا ولا مهزومًا.
يكون فقط إنسانًا بلغ شعوره آخر مداه، فسال منه ما لم يجد طريقًا آخر للخروج.
اقرأ أيضًا :
تعليقات
إرسال تعليق