الإنسان لا يخشى المجهول بل يخشى معرفة الحقيقة
الإنسان لا يخشى المجهول… بل يخشى أن يعرفه
ليس المجهول هو الذي يُفزع الإنسان دائمًا، بل إن بعض المجهول أرحم من المعرفة، وبعض الأسئلة تصبح محتملة ما دامت بلا جواب.
فنحن نقول إننا نخاف ما لا نعرفه، مع أن الإنسان أمضى معظم تاريخه يسير في أرضٍ لم يعرف نهايتها، ويرفع بصره إلى سماء لم يفهمها، ويستقبل غدًا لم يملك منه خبرًا. عاش طويلًا إلى جوار الغيب، وتأقلم معه، بل صنع من جهله مساحةً واسعة للأمل.
لكن الأمر يتبدّل حين يقترب الجواب.
هناك، على عتبة المعرفة، يظهر خوف آخر أشد وطأة: ماذا لو عرفت؟
ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة تمامًا عمّا بنيت عليه سنواتك؟ ماذا لو كان الشيء الذي تبحث عنه لا يحتاج إلى اكتشاف بقدر ما يحتاج إلى شجاعة لاحتماله؟
ربما لهذا لا يهرب الإنسان من الظلمة بقدر ما يتردد أمام المصباح.
الجهل ليس دائمًا نقصًا… أحيانًا يكون مهلة
في حياة كل إنسان أسئلة يستطيع الوصول إلى أجوبتها، لكنه يؤجل ذلك.
وليس هذا السلوك عجزًا عن المعرفة بالضرورة، بل قد يكون نوعًا من الاستمهال النفسي؛ فالعقل يعرف، في مواضع كثيرة، أن الحقيقة حين تدخل لا تعود غريبةً يمكن طردها.
قبل أن تعرف، تظل الاحتمالات كثيرة.
أما حين تعرف، فإن عشرات الاحتمالات تموت دفعة واحدة، ولا يبقى إلا واقع واحد.
وهنا تكمن قسوة المعرفة.
المجهول يترك أبوابًا مفتوحة، أما الحقيقة فقد تغلقها كلها.
ولذلك يستطيع الإنسان أن يحتمل سنواتٍ من السؤال، ثم يعجز عن احتمال دقيقة واحدة من اليقين.
ليس لأن السؤال أشد ألمًا، بل لأن السؤال يسمح له بأن يرجو، بينما قد لا يفعل الجواب ذلك.
نحن لا نخشى الحقيقة… بل ما ستفعله بنا
ثمة فرق دقيق بين أن تخاف الحقيقة وبين أن تخاف التحول الذي ستفرضه عليك الحقيقة.
فالمعرفة ليست معلومة تُضاف إلى الذهن فحسب. بعض المعارف تعيد ترتيب الإنسان كله.
من يعرف أن الطريق الذي قضى عمره يسلكه لا يؤدي إلى شيء، لن يستطيع في اليوم التالي أن يمشي فيه كما كان يمشي بالأمس.
ومن يعرف حقيقة شخص أحبه، أو مؤسسة وثق بها، أو فكرة عاش من أجلها، لن يستطيع أن يعود تمامًا إلى صورته الأولى.
تلك هي مشكلة المعرفة: أنها لا تكتفي بأن تُريك العالم، بل تغيّر العين التي تنظر إليه.
ولهذا يلوذ بعض الناس بالإنكار، لا لأن الأدلة غائبة، بل لأن قبولها مكلف.
قد يرى المرء الشقوق في جدار علاقةٍ ما، ثم يقنع نفسه بأنها ظلال.
وقد يعلم أن زمنًا من حياته قد انقضى، ومع ذلك يظل يرتب يومه كما لو أن الأشياء قابلة للعودة.
وقد يدرك في أعماقه أن حلمًا ما انتهى منذ زمن، لكنه يواصل حراسته لأن الاعتراف بموته يقتضي أن يسأل نفسه سؤالًا أشد مرارة:
وماذا أفعل الآن؟
الحقيقة لا تأتي وحدها.
إنها تجر وراءها مسؤولية.
فإن عرفت، لم يعد بإمكانك الادعاء بأنك لم ترَ.
وهذا ربما هو ما يخيف الإنسان أكثر من المعرفة نفسها.
أخطر الحقائق تلك التي تغيّر تفسير الماضي
هناك حقائق لا تؤلم لأنها سيئة، بل لأنها تجعلنا نعيد قراءة سنوات كاملة بطريقة مختلفة.
قد تكتشف متأخرًا أن شخصًا ظننته يرفضك كان في الحقيقة يحميك.
أو أن بابًا حزنت طويلًا لأنه أُغلق كان سيقودك إلى مكان لم تكن لتحتمله.
وقد يحدث العكس؛ فتفهم بعد أعوام أن شيئًا كنت تسميه وفاءً لم يكن إلا خوفًا من المغادرة، أو أن صبرًا كنت تفخر به لم يكن إلا عجزًا عن اتخاذ القرار.
عندئذٍ لا تتغير اللحظة الراهنة فقط.
يتغير الماضي ذاته في ذهنك.
الأحداث هي الأحداث، لكنها ترتدي معنى جديدًا.
وهذا نوع غريب من الزلازل؛ فلا يسقط فيه بيت، ولا يسمع الناس له صوتًا، لكن داخل الإنسان تُعاد تسمية الأشياء كلها.
ربما لهذا يتمسك البشر بتفسيراتهم القديمة، حتى حين تهتز.
فنحن لا ندافع دائمًا عن الحقيقة التي نعرفها، بل عن البناء الذي أقمناه فوقها.
وحين يهدد اكتشاف واحد ذلك البناء، يصبح الجهل مغريًا.
لا لأن الإنسان يحب الوهم، بل لأن هدم حياةٍ فكرية كاملة والبدء من جديد أمرٌ شاق.
المعرفة لا تمنح الطمأنينة دائمًا
نشأنا على تصور ساذج يقول إن القلق يأتي من عدم المعرفة، وأننا متى عرفنا هدأنا.
لكن الحياة لا تعمل بهذه البساطة.
أحيانًا يكون الجواب بداية القلق لا نهايته.
فالطبيب الذي يخبر مريضًا بحقيقة ما يمنحه معرفة، لكنه لا يمنحه بالضرورة راحة.
والإنسان الذي يعرف أخيرًا لماذا ابتعد عنه أحدهم قد يحصل على الإجابة التي ظل يطلبها، ثم يكتشف أن جهله كان أهون.
بل إن بعض الأسئلة تفقد جمالها بمجرد الإجابة عنها.
فالاحتمال، على قسوته، مساحة شاسعة.
أما اليقين فضيق.
ومن غرائب النفس أنها قد تطلب الحقيقة بإلحاح، ثم حين تقترب منها تتمنى لو تأخرت قليلًا.
نحن كمن يطرق بابًا أعوامًا، ثم حين يسمع وقع الخطوات من الجهة الأخرى يتراجع خطوة.
ليس لأننا لم نعد نريد الجواب.
بل لأننا أدركنا فجأة أن الباب قد يُفتح فعلًا.
ما نخافه حقًا
الإنسان قادر على العيش طويلًا مع المجهول.
لقد فعل ذلك منذ أول يوم وُجد فيه.
لا يعرف متى سيموت، ولا أين تأخذه الطرق، ولا ما يخبئه له الغد، ولا أي الأشخاص سيبقون حتى النهاية.
ومع ذلك يستيقظ، ويعمل، ويحب، ويبني، ويَعِد.
إذن فالمجهول وحده ليس عدو الإنسان.
ربما عدوه الحقيقي هو المعرفة التي لا يستطيع بعدها أن يكون الشخص نفسه.
أن تعرف يعني أحيانًا أن تفقد عذرًا.
أن تعرف يعني أن تتوقف عن انتظار ما لن يأتي.
أن تعرف يعني أن ترى نفسك بلا الزينة التي وضعها لك الوهم.
وقد تكون أشد الحقائق قسوة هي تلك التي لم تكن مختبئة أصلًا؛ كانت أمامك طوال الوقت، لكنك كنت تنظر إلى الجهة الأخرى.
ومن هنا تأتي المفارقة:
نحن لا نهرب دائمًا من الظلام لأننا نجهل ما فيه.
أحيانًا نهرب من الضوء…
لأننا نعرف أنه سيُرينا كل شيء.
اقرأ أيضًا:
المعرفة تملأ العقل، أما الإدراك فيغيّر الإنسان
حين يتنكر الكبرياء في ثوب الكرامة
الإرادة حقيقة أم وهم... الجزء الثالث
تليد…
تعليقات
إرسال تعليق