حين يصبح الضمير شاهدًا زورًا على صاحبه | فلسفة الأخلاق
حين يصبح الضمير شاهدًا زورًا على صاحبه
«ليس أخطرَ على الإنسان من ضميرٍ فاسد، إلا أن يظلَّ مؤمنًا بأنه ضميرٌ صالح».
ليس أشدُّ ما يُخشى على الإنسان أن يفقد ضميره، بل أن يحتفظ به بعدما يُفسد موازينه؛ فيغدو له من البلاغة ما يُسوّغ الخطيئة، ومن الحيلة ما يُبرّئ المقاصد، ومن القدرة على التأويل ما يجعل الرذيلة فضيلةً في عين صاحبها.
لقد اعتاد الإنسان أن يستحضر ضميره بوصفه القاضي الأخير في محكمة النفس، دون أن يتساءل عمّا إذا كان هذا القاضي قد تعلّم الإنصاف، أم أنه لم يُخلق إلا ليمنح صاحبه صكوك البراءة.
وهنا تنشأ إحدى أعقد المعضلات الأخلاقية: ماذا لو كان الإنسان لا يخالف ضميره حين يرتكب الظلم، بل يرتكب الظلم امتثالًا لما يعتقد أنه ضميره؟
فليست كل طمأنينةٍ دليلًا على سلامة المسلك، ولا كل راحةٍ نفسيةٍ شهادةً بحسن السيرة؛ فقد يستريح المرء إلى ما كان ينبغي أن يؤرّقه، ويضطرب لما كان حقيقًا به أن يطمئن إليه.
وحين يبلغ الإنسان هذه المنزلة من الالتباس، لا يعود الضمير رقيبًا على أفعاله، وإنما يتحول إلى محامٍ يتولى الدفاع عنها.
أولًا: الضمير الذي تعلّم الدفاع بدلًا من الحكم
ليس الضمير شيئًا منفصلًا عن تكوين الإنسان، ولا قوةً معصومةً من التأثر بالتنشئة والمصلحة والعاطفة. إنه يتشكّل في رحاب التجارب، ويتأثر بالمعتقدات والأعراف، وقد ينضج بالمراجعة مثلما قد يعتلّ بالتحيّز.
ولذلك يستطيع الإنسان أن يكون شديد الاعتزاز بأخلاقه، مع أنه يمارس أفعالًا تناقض القيم التي يعلن تمسكه بها.
تأمّل رجلًا يستبدّ بقرارات أسرته، ويُضيّق على أفرادها، ويصادر حقهم في الاختيار، ثم ينام قرير العين؛ لأنه لا يرى في تسلّطه استبدادًا، وإنما يراه حرصًا ومسؤولية.
وتأمّل مسؤولًا يحرم أحد العاملين من استحقاقه، ثم يُقنع نفسه بأن ما فعله ضرورةٌ تقتضيها مصلحة المؤسسة، مع أن قراره لم يكن إلا ثمرةً لهوى شخصي.
كلاهما قد لا يشعر بأنه ظالم.
وهذه هي المعضلة.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إسكات ضميره كي يرتكب الخطأ؛ فقد يكفيه أن يغيّر الاسم الذي يطلقه على فعله.
يسمّي التسلّط حزمًا، والانتقام إنصافًا، والإقصاء تنظيمًا، والتعسّف ضرورةً، ثم يستدعي ضميره للشهادة، فيشهد له بما لقّنه من معانٍ.
وقد تناول عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة ضمن مفهوم «فك الارتباط الأخلاقي»، موضحًا كيف يستطيع الأفراد تعطيل بعض ضوابطهم الأخلاقية عن طريق إعادة تفسير السلوك المؤذي أو التقليل من تبعاته أو إلقاء المسؤولية على الآخرين.
والأشد إثارةً للتأمل أن هذه المراوغة قد تجري دون كذبٍ واعٍ؛ إذ يعتنق الإنسان تفسيره الخاص حتى يصبح في نظره حقيقةً لا تقبل الارتياب.
وهكذا لا يعود السؤال: هل يكذب الإنسان على ضميره؟ بل: هل يستطيع أن يعلّم ضميره كيف يكذب عليه؟
ثانيًا: حين تصبح القناعة أشد خطرًا من الخطيئة
قد يرتكب الإنسان خطأً وهو يعلم أنه مخطئ، فيبقى بينه وبين الصواب خيطٌ من الوعي، مهما أوغل في مخالفته.
أما حين يعتقد أن خطأه فضيلة، فإن المسافة بينه وبين المراجعة تتسع؛ لأنه لا يرى موجبًا للاعتذار، ولا مسوّغًا للتراجع، ولا سببًا يدعوه إلى مساءلة نفسه.
إن المخطئ الذي يعرف خطأه يملك بداية الطريق إلى إصلاحه، أما المخطئ الذي يعتقد أنه يؤدي واجبًا أخلاقيًا، فقد يغدو أكثر استعدادًا لتكرار فعله والدفاع عنه.
ومن هنا تنشأ خطورة اليقين الذي لا يسمح لنفسه بالمراجعة.
وفي علم النفس، قدّم ليون فستنغر نظرية «التنافر المعرفي» عام 1957، لتفسير التوتر الذي ينشأ حين تتعارض معتقدات الإنسان أو مواقفه مع أفعاله.
وقد يسعى الإنسان إلى تخفيف هذا التوتر بتغيير سلوكه، لكنه قد يسلك طريقًا آخر أكثر مراوغة: أن يعيد تفسير ما فعل حتى يبدو منسجمًا مع الصورة التي يحملها عن نفسه.
فبدلًا من أن يقول: لقد ظلمت، يقول: لقد كنت مضطرًا.
وبدلًا من أن يعترف بأنه أهان أحدًا، يقول: لقد أردت تقويمه.
وبدلًا من أن يقرّ بأنه أخطأ في الحكم، يقول: لم يفهم الآخرون مقاصدي.
ولا يعني ذلك أن الضرورة وهمٌ دائمًا، أو أن الحزم ظلمٌ بالضرورة؛ وإنما الخطورة في أن تتحول هذه المعاني إلى أعذارٍ جاهزة لا تخضع للفحص.
وقد جسّد الأدب الروسي جانبًا من هذه الإشكالية في رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي، وتحديدًا في حكاية «المفتش العظيم»، حيث تُطرح مفارقة السلطة التي تُسوّغ تقييد حرية الإنسان بدعوى حمايته من أعبائها.
إنها صورة أدبية شديدة العمق لفكرة أن المرء قد يتبنّى تصورًا أخلاقيًا يبدو نبيلًا، ثم يجعل منه مسوّغًا لممارسة ما يناقضه.
وليس من المستبعد أن يكون بعض أشد الناس إيذاءً لغيرهم مقتنعين بأنهم يُحسنون إليهم.
فالمصيبة ليست دائمًا في غياب الفضيلة، وإنما في أن يُرتكب نقيضها باسمها.
ثالثًا: محكمة النفس التي لا تستدعي الشهود
لو كان ضمير الإنسان كافيًا للحكم على عدالة أفعاله، لما احتاج البشر إلى سماع المظلوم، ولا إلى المراجعة، ولا إلى قواعد تُلزم صاحب السلطة بأن يُفسّر قراره ويُخضعه للمساءلة.
لكن النفس البشرية ليست محكمةً محايدة بطبيعتها.
فنحن نعرف مقاصدنا كما نرويها لأنفسنا، بينما يعرف الآخرون آثار أفعالنا كما وقعت عليهم؛ وبين المقاصد والآثار قد تقوم هوّةٌ لا يراها صاحب الفعل.
قد يؤذي الرجل إنسانًا ثم يقول: لم أقصد أذيته.
ولعلّه صادقٌ في وصف قصده.
لكن صدقه لا يمحو الأذى، ولا يجعل فعله عادلًا بمجرد أن نيته لم تكن خبيثة.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين عظيمين: حُسن المقصد، وسلامة المسلك.
فالأول يتعلق بما أراده الإنسان، والثاني يتعلق بما فعله، ولا يُغني أحدهما عن مساءلة الآخر.
وفي كتاب «العقل الأخلاقي»، يناقش عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت دور الحدس والعاطفة في تشكيل الأحكام الأخلاقية، وكيف يأتي الاستدلال أحيانًا لتبرير أحكام سبق أن تبنّاها الإنسان.
وهذا يفتح بابًا بالغ الأهمية: فقد لا يبدأ المرء بتقصّي الحقائق كي يصل إلى حكمٍ منصف، بل يبدأ بالحكم الذي يريده، ثم ينتقي من الحقائق ما يصلح للدفاع عنه.
وحينئذٍ تكون محكمة النفس قد أصدرت حكمها قبل سماع المرافعة.
وما أكثر من يُطالبون الآخرين بتفهّم دوافعهم، لكنهم لا يمنحون الآخرين الحق نفسه!
يستحضرون ظروفهم لتفسير أخطائهم، ويستحضرون أخطاء غيرهم لإدانة ظروفهم.
يلتمسون لأنفسهم الأعذار الدقيقة، ويُقيمون على سواهم الأحكام القاطعة.
ولعلّ هذا الاختلال من أبلغ صور المحاباة النفسية؛ إذ يصبح الإنسان رحيمًا حين يكون متهمًا، صارمًا حين يكون قاضيًا.
غير أن فساد الحكم الأخلاقي لا يعني أن الضمير بلا قيمة، بل يعني أن الضمير يحتاج إلى ما يصونه من الاستبداد بصاحبه.
يحتاج إلى الشك المنضبط، وإلى الإصغاء، وإلى الاستعداد للاعتراف بأن أذى الآخرين قد يكون حقيقيًا حتى حين لا تتسع له روايتنا عن أنفسنا.
فالضمير الذي لا يقبل مراجعة أحكامه ليس بالضرورة أكثر رسوخًا، بل قد يكون أشدّ انقيادًا للهوى.
وما أهون أن ينتصر الإنسان في محكمةٍ يكون فيها الخصم والقاضي والشاهد جميعًا!
الخاتمة: أخطر الأحكام تلك التي لا تقبل الاستئناف
إن الضمير لا يفقد قيمته حين يعترف صاحبه بإمكان خطئه، بل يزداد أهليةً للثقة كلما تجرّد من ادعاء العصمة.
وليس نُبل الإنسان في ألّا يُخطئ، فهذا مطلبٌ يتجاوز طبيعته، وإنما في ألّا يجعل فضائله المعلنة حصانةً تمنعه من الاعتراف بخطاياه.
فقد يفسد الضمير حين يُستعمل لإسكات الأسئلة بدلًا من إثارتها، وحين يصبح غرضه حماية صورة الإنسان عن نفسه، لا حماية الحقيقة من أهوائه.
ولعلّ أعظم مظاهر الاستقامة ألّا يكتفي المرء بالسؤال: هل أنا راضٍ عمّا فعلت؟
بل أن يسأل: هل كان فعلي عادلًا لو وقع عليّ؟ وهل كنت سأقبل تبريري لو صدر عن خصمي؟
إنها أسئلة قد تُربك الطمأنينة، لكنها تُعيد إلى الضمير هيبته التي سلبتها المجاملة.
فما قيمة الضمير إن لم يستطع أن يقول لصاحبه ما يكره سماعه؟
وما قيمة النزاهة إن كانت لا تظهر إلا حين تتفق مع المصلحة؟
وما جدوى محكمةٍ لا تصدر حكمًا واحدًا ضد من يملكها؟
إن أخطر ما قد يبلغه الإنسان ليس أن يموت ضميره، بل أن يظلّ حيًا في ظنّه، بينما لم يعد يؤدي إلا وظيفةً واحدة: تبرئته.
وحين يصبح الضمير شاهدًا زورًا على صاحبه، لا تعود المأساة في أن الإنسان فقد القدرة على التمييز بين الخير والشر، بل في أنه أصبح قادرًا على إعادة تسمية أحدهما باسم الآخر.
فاحذر أن تكون آخر من يعلم أنك ظالم، لأن ضميرك كان أول من أقنعك بأنك عادل.
تعليقات
إرسال تعليق