ذرف الدموع هو استفراغ الروح | لماذا نبكي؟
ذرف الدموع هو استفراغ الروح
ليس البكاء دائمًا ضعفًا، ولا الدمع ماءً زائدًا يفرزه الجسد حين يعجز عن الاحتمال.
أحيانًا تكون الدموع آخر وسيلة تملكها الروح لتطرح خارجها ما عجز اللسان عن قوله، وما ضاق الصدر عن حمله، وما فشل العقل في ترتيبه.
كأن الإنسان لا يبكي من عينيه وحدهما، بل من داخله كله.
فثمة أحزان لا تعرف طريقًا إلى الكلمات، ولا تستقيم في جملة، ولا تجد لها موضعًا في حديث. تبقى في الإنسان متراكمة، طبقة فوق طبقة، حتى تغدو الروح مثقلة بشيء لا اسم له.
ثم تأتي الدمعة.
صغيرة في صورتها، لكنها تحمل وراءها شيئًا أكبر بكثير من حجمها.
ولهذا يمكن القول إن ذرف الدموع هو استفراغ الروح؛ إخراج قسري لما لم تعد النفس قادرة على إبقائه فيها.
حين يعجز الكلام يبدأ البكاء
الإنسان يتحدث ما دام قادرًا على تفسير ما يشعر به.
يقول: أنا حزين.
أنا خائف.
أنا مشتاق.
أنا خائب.
لكن ثمة لحظات تتجاوز اللغة.
لا يعود الحزن حزنًا فقط، ولا الفقد فقدًا فقط، ولا الندم ندمًا يمكن وصفه.
تختلط الأشياء حتى تصبح كتلة واحدة عصية على البيان.
وهنا يفشل الكلام.
ليس لأن الإنسان لا يملك الكلمات، بل لأن الكلمات تصبح أصغر من الذي يحدث داخله.
فيبكي.
وكأن الجسد يتدخل حين تعجز اللغة، فيصنع لنفسه مخرجًا آخر.
ولهذا قد يبكي الإنسان أحيانًا دون أن يستطيع شرح السبب.
يسأله أحدهم:
ما بك؟
فيجيب:
لا أعلم.
وقد يكون صادقًا تمامًا.
لأن الروح أحيانًا تعرف الألم قبل أن يعرف العقل اسمه.
الدموع ليست دائمًا للحزن
نحن نربط البكاء بالحزن لأن الحزن أكثر المشاعر قدرةً على استدعائه، لكن الإنسان يبكي كذلك من الفرح، ومن الخوف، ومن الانتصار، ومن اللقاء بعد غياب، بل وربما من الراحة بعد انتهاء أمرٍ كان يرهقه.
وهذا يكشف شيئًا مهمًا:
أن الدموع ليست لغة الحزن وحده.
إنها لغة الامتلاء.
حين يمتلئ الإنسان بشعور أكبر من قدرته على احتوائه، يفيض.
كالكأس لا يعني فيضانه أن الماء سيئ، بل يعني أنه لم يعد يتسع.
وهكذا الإنسان.
قد يمتلئ حبًا حتى يبكي.
وقد يمتلئ خوفًا حتى يبكي.
وقد يمتلئ بالنجاة ذاتها حتى تهبط دموعه بعد أن كان طوال الخطر صلبًا لا يتحرك فيه شيء.
وهذه مفارقة عجيبة:
بعض الناس لا يبكون أثناء المصيبة، بل بعدها.
كأن الروح تؤجل انهيارها حتى تأمن.
لماذا نبكي بعد أن ينتهي كل شيء؟
قد يمر الإنسان في تجربة قاسية ثابت الوجه، محكم النبرة، قادرًا على اتخاذ القرارات.
ثم ما إن تنتهي الأزمة حتى يجلس وحيدًا وينهار.
لماذا لم يبكِ حين كان الألم في ذروته؟
لأن النفس حين تكون في قلب الخطر لا تنشغل دائمًا بالإحساس.
إنها تنشغل بالنجاة.
لكن حين يزول الخطر، يبدأ الجسد في دفع الفاتورة المؤجلة.
تعود كل المشاعر التي تم تجميدها مؤقتًا.
كل الخوف الذي لم يكن هناك وقت للشعور به.
كل الحزن الذي أُرجئ.
كل الرعب الذي اختبأ خلف الضرورة.
فتأتي الدموع متأخرة، لا لأنها تأخرت عن الحادثة، بل لأنها انتظرت حتى تجد مكانًا آمنًا للخروج.
وكأن الروح تقول:
الآن أستطيع أن أُخرج ما حملته.
أقسى الدموع تلك التي لا يراها أحد
ليست كل الدموع واحدة.
ثمة دموع يراها الناس، فيخف حملها بعض الشيء بمجرد أن يشهدها أحد.
وثمة دموع لا تأتي إلا في العزلة.
دموع يعرف صاحبها أنه لن يفسرها لأحد.
قد يغسل وجهه بعدها، ويخرج إلى الناس عاديًا، ويضحك، ويتحدث، ويكمل يومه كما لو لم يحدث شيء.
لكن شيئًا قد حدث.
لقد طرحت الروح جزءًا من حملها.
وهناك نوع أشد قسوة:
الدموع التي لا تخرج.
أن يريد الإنسان البكاء ولا يستطيع.
أن يشعر بأن شيئًا يختنق داخله، لكن العين تبقى يابسة.
وهذه ربما من أثقل صور الألم؛ أن تمتلئ الروح ولا تجد طريقًا لتفرغ نفسها.
فالبكاء، مهما بدا قاسيًا، قد يكون رحمة.
أما العجز عنه فقد يكون استمرارًا للحمل.
الرجل لا تنقصه دمعة
كم أفسدت بعض التصورات القديمة علاقة الإنسان بمشاعره.
قيل للرجل طويلًا إن البكاء ينتقص منه، وإن الصلابة تعني ألا تهتز عيناه.
لكن الصلابة ليست أن تتحول إلى حجر.
الحجر لا يبكي لأنه لا يشعر أصلًا.
أما الإنسان فقوته ليست في انعدام الشعور، بل في قدرته على حمله دون أن يستعبدَه.
وقد يبكي رجل في موت عزيز، أو في فراق، أو في خيبة، أو في لحظة امتنان عظيمة، ولا ينقص ذلك من رجولته شيئًا.
بل ربما كان الاعتراف بالشعور أشجع من التظاهر بعدمه.
فليس كل صامت قويًا.
أحيانًا يكون الصمت خوفًا من رؤية الحقيقة في الداخل.
وليس كل باكٍ منكسرًا.
أحيانًا يكون البكاء طريقة الإنسان في جمع نفسه من جديد.
لماذا نشعر بالخفة بعد البكاء؟
كثيرون يعرفون ذلك الشعور الغريب.
تبكي طويلًا، ثم تسكن.
المشكلة لم تُحل.
والفقيد لم يعد.
والخذلان لم يُمحَ.
والواقع لم يتغير.
ومع ذلك تشعر بخفة ما.
كأن شيئًا غادر الصدر.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للصورة:
استفراغ الروح.
فالاستفراغ الجسدي يحدث حين يرفض الجسم إبقاء شيء داخله.
والبكاء يحدث أحيانًا حين تعجز النفس عن مواصلة الاحتفاظ بكل ما تراكم فيها.
إنه ليس علاجًا للمشكلة نفسها، لكنه تخفيف للضغط الذي صنعته المشكلة.
كأن النفس تقول:
لن أستطيع تغيير ما حدث، لكنني أستطيع ألا أحمله كله بالصورة نفسها.
بعض الدموع عمرٌ كامل
لا نحزن دائمًا على اللحظة التي نبكي فيها.
أحيانًا نبكي أعوامًا كاملة دفعة واحدة.
موقف بسيط يفتح بابًا قديمًا.
كلمة عابرة توقظ شيئًا ظنناه مات.
رائحة مكان.
صورة.
أغنية.
اسم.
ثم نفاجأ بحجم الدمع ونقول:
هل يستحق هذا كل ذلك؟
ربما لا.
لأننا لم نكن نبكي ذلك الشيء وحده.
كنا نبكي ما تراكم خلفه.
كل المرات التي سكتنا فيها.
كل الأشياء التي ابتلعناها.
كل المواقف التي قلنا فيها لأنفسنا: لا بأس.
حتى يأتي يوم تكتشف فيه الروح أن «لا بأس» كانت كذبة مؤقتة.
فتفتح مخازنها كلها.
وفي النهاية
لا تخجل من دمعة خرجت منك في موضعها.
فربما لم تكن ضعفًا، بل نجاة صغيرة.
وربما لم تكن سقوطًا، بل طريقة الجسد في منعك من السقوط.
بعض الأشياء لا تغادرنا بالكلام.
ولا بالفهم.
ولا بالنسيان.
تحتاج إلى أن تمر عبر العين.
أن تتحول من ألمٍ ساكن في الداخل إلى ماءٍ يغادر الجسد.
وحين تبكي، قد لا تكون قد تخلصت من الحزن.
لكن شيئًا من الحزن يكون قد تخلص منك.
لهذا ليست الدموع دائمًا علامة على أن الروح قد انهزمت.
أحيانًا تكون الدليل على أنها ما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة.
فالإنسان حين يعجز عن طرح ألمه بالكلمات، تطرحه الروح ماءً من العينين.
اقرأ أيضًا:
رسالة إلى الغرباء الذين لم يُغادرهم القلب
التعافي… حين يتغابى العقل على القلب
حين يصبح الذكاء سجنًا... هل يدفع ثمنه صاحبه؟
تعليقات
إرسال تعليق