أتحسس بأناملي ما بقي مما صنعت | تأمل أدبي
أتحسَّسُ بأناملي ما بقي ممّا صنعتُ
لم تكن الظلمة في المكان؛ كانت في قدرة الأشياء على التعرّف إليّ. كلما مددتُ يدي إلى شيءٍ حسبتُه من صنيعي، وجدته قد استبدل اسمه، واتخذ هيئةً لا تستأذن ذاكرتي. حتى الأبواب التي نحتُّ عتباتها لم تعد تفضي إلى الجهات التي وضعتُها وراءها؛ تفتح، فيخرج منها هواءٌ عتيق، كأن أحدًا أقام في الغياب طويلًا، ثم رحل وترك نَفَسه معلّقًا في الدهاليز.
لم آتِ لأستردّ شيئًا. جئتُ لأعرف إن كانت يدي ما تزال محفوظةً في ملامح ما صنعتُ، أم أن الصنعة، حين تستوي، تُسقط عن نفسها نسب الصانع.
أتحسّسُ بأناملي ما بقي؛ فالأنامل، في تلك الناحية من الوجود، كانت تبصر ما تعجز العين عن احتماله.
في الجهة التي لا تبلغها الأسماء
كان أمامي بناءٌ لا سقف له، ومع ذلك لم يدخل إليه السماء. أعمدته قائمة، لكن المسافة بينها تتحرّك. إذا تقدّمتُ إلى أحدها، انحسر كأنه ذكرى تأبى أن تُمسك؛ وإذا أعرضتُ عنه، أحسستُ ببرودته تسري في ظهري.
عرفتُه من شقٍّ صغير عند قاعدته. كنتُ قد تركتُ ذلك الشق عمدًا، يوم ظننتُ أن الكمال يُوحش الأشياء، وأن منفذًا يسيرًا للنقص يجعلها أقدر على الأُنس. وضعتُ إصبعي فيه، فخرجت منه ذرّة ضوء، ثم أخرى، حتى بدا العمود كأنه يرشح فجرًا لم يحن موعده.
أدهشني أن ما أبقيتُه ناقصًا هو الذي دلّني. أما المواضع التي سوّيتُها وأحكمتُ صقلها، فقد تشابهت حتى لم أعد أميّز فيها أثرًا لي. كانت ملساء إلى حدّ الجحود؛ تمرّ عليها اليد فلا تتعلّق بشيء، وينزلق عنها التذكّر كما ينزلق الماء عن صفحة مصقولة.
تابعتُ سيري، وعلى الجدران نقوشٌ لم أكتبها. قرّبتُ كفّي، فتراجعت الحروف إلى باطن الحجر. لم أسمع صوتًا، لكنني أحسستُ تحت الجلد برفيفٍ خافت، كأن الجدار يحفظ كلامه في موضعٍ لا يصل إليه السمع.
هناك فهمتُ لماذا لم ينفعني النداء. كنتُ أنادي الأشياء بأسمائها الأولى، وهي قد عبرت، في غيبتي، أطوارًا لا أعرفها. ربما كان الاسم الذي أكرّرُه آخر ما ضاق بها، وربما كانت تنتظر مني أن ألمسها قليلًا قبل أن أسمّيها.
فتركتُ لساني ساكنًا، ومضيتُ أقرأ بخشونة الحجر، وبرودة المعدن، وبذلك الارتجاف الدقيق الذي يعقب الملامسة ثم يخبو.
ما خبّأته الصنعة في جوفها
في أقصى الرواق وجدتُ إناءً من مادةٍ تشبه السكون حين يشتدّ. لم يكن خزفًا ولا زجاجًا؛ كان شفيفًا من جهة، معتمًا من أخرى، يتبدّل ثقله بحسب ما أخالني أراه فيه.
حملتُه، فمالت الأرض قليلًا.
كنتُ أذكر أنني صنعتُه ليحفظ قطرةً واحدة. لا أعرف الآن من أين جاءت، لكنني أذكر مقدار العناية التي بذلتُها كيلا تتبدّد. ضيّقتُ فم الإناء، وأغلقتُ مسامه، وأقمتُ حوله سياجًا من الحذر. ثم تركتُه مطمئنًا إلى أن ما أُحكم احتواؤه لا يضيع.
وحين نظرتُ فيه، لم أجد القطرة. وجدتُ بحرًا صغيرًا تتنازعُه ريحان، وفي منتصفه جزيرةٌ عليها أثر قدم.
لم أفهم كيف اتّسع ذلك الجوف لكل هذه الجهات. أخذتُ أدير الإناء بين يديّ، فتدور الجزيرة وحدها، وتبقى الأمواج في أماكنها. ثم رأيتُ عند حافته خدشًا بالغ الضآلة؛ منفذًا لم ألتفت إليه حين كنتُ أحسب عملي تامًّا.
لعل البحر دخل من هناك. أو لعل القطرة، وقد طال احتباسها، أنشأت لنفسها سعةً تعيش فيها.
أعدتُ الإناء إلى موضعه برفق. لم أجرؤ على ترميم الخدش؛ إذ خُيّل إليّ أن سدّه سيطفئ الريح، وأن الجزيرة ستنكمش حتى تصير حبّةً سوداء في قاعٍ موحش.
بعده كانت أشياء أخرى: مصباحٌ يضيء ما وراءه ويترك ما أمامه في العتمة، وسُلّمٌ تتقارب درجاته كلما صعدتُه، ومرآةٌ لا تعكس الوجوه، وإنما تُظهر المواضع التي كفّت الوجوه عن النظر إليها.
وقفتُ أمام المرآة طويلًا. ظهر فيها ركنٌ خالٍ، عليه غبارٌ ناعم، وفي الغبار تجويفٌ بحجم كفّ. رفعتُ يدي، فلم يتغيّر شيء. أنزلتُها، فاتسع التجويف قليلًا، كأنه ينتظر يدًا أقدم من يدي.
كنتُ قد صنعتُ كل ذلك، أو هكذا أخبرتني ندبةٌ في إبهامي. لكن الأشياء لم تكن تُصدّق شهادتي بسهولة؛ لكل واحدةٍ منها سيرةٌ نبتت بعد انصرافي، ولكل واحدةٍ حقٌّ في أن تحتفظ بما لا أتذكّره.
يدٌ تتعلّم الملامسة من جديد
عند آخر البناء، حيث تنتهي الجدران ويبدأ بياضٌ لا يُعرف له مدى، وجدتُ بابًا صغيرًا موضوعًا على الأرض. لم يكن منصوبًا في جدار، ولم يكن وراءه شيءٌ محجوب. ومع ذلك، أحسستُ أن عبوره يتطلّب هيئةً لم أتعلمها بعد.
جلستُ إلى جانبه. كان خشبه دافئًا، تتخلّله عروقٌ دقيقة تشبه خرائط بلادٍ لم تُخلق. مررتُ بأناملي على حافته، فتساقطت منها قشورٌ خفيفة، وتحت القشور ظهر نقشٌ ناقص:
«إذا عدتَ…»
ثم انقطع الكلام.
ظللتُ أفتّش عن بقيّته. قلّبتُ الباب، ومسحتُ زواياه، وأدخلتُ ظفري في تجاويفه. لم أجد إلا أثر المحو؛ محوًا صبورًا، كأن العبارة أزيلت حرفًا بعد حرف، وكل حرفٍ قاوم قليلًا قبل أن يستسلم.
وضعتُ كفّي فوق النقش، فإذا بالخشب يلين تحتها. لم يتحوّل، لكنه أفسح موضعًا لأصابعي، كما يفسح الماء لحجرٍ ينزل فيه ببطء. شعرتُ بشيءٍ يتحرّك في العمق؛ لم يكن نبضًا، بل اقترابًا متردّدًا، يكاد يبلغ السطح ثم يرجع.
عندئذٍ لمستُ في يدي خشونةً غريبة. نظرتُ إليها، فرأيتُ على أطراف أصابعي غبارًا يشبه غبار المرآة، وفي راحتي شقًّا يشبه الشق الذي خرج منه الضوء.
لم أعرف متى حدث ذلك. وربما لم يحدث؛ ربما كنتُ أحمله منذ البداية، ولم ألتفت إليه إلا حين تخلّيتُ عن استعجالي.
بقيتُ جالسًا، والباب تحت كفّي، والبياض من حولي يزداد عمقًا. لم يعد في نفسي سؤالٌ واضح أُلقيه على الأشياء. كان يكفيني أن أشعر بها تقبل ملامستي قليلًا، وأن تدع بيني وبينها أثرًا لا يزول فورًا.
وحين نهضتُ، لم أحمل شيئًا معي. غير أن أصابعي ظلّت منحنيةً حول هيئةٍ خفيّة، كأنها أمسكت بما لا يحتاج إلى أن يُنتزع من موضعه.
أتحسّسُ بأناملي ما بقي ممّا صنعتُ؛ وكلما بلغتُ أثرًا أعرفه، وجدتُ عند طرفه بدايةً لم أضعها.
اقرأ أيضًا :
تعليقات
إرسال تعليق