أين تجد ما حُجِبَ عنك؟ | تأمل في الحقيقة والوعي

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :

الحقوق لصاحبها



أين تجد ما حُجِبَ عنك

ليست كل الأشياء المفقودة غائبة، وليست كل الأشياء الحاضرة مرئية.

ثمة أشياء تُحجب عن الإنسان لا لأنها ابتعدت، بل لأنه لم يعد قادرًا على رؤيتها بالطريقة القديمة. وقد يمضي عمرًا كاملًا يبحث خارج نفسه عما سُلب منه، بينما يكون الشيء أقرب إليه من ظنّه، لكنه مستتر خلف عادة، أو خوف، أو يقين قديم لم يجرؤ على هدمه.

نحن نتصور الحجب بوصفه غيابًا، مع أن الحجب أحيانًا ليس سوى قربٍ شديد لا تستطيع العين معه أن ترى.

فالمرآة لا تُريك وجهك إن التصقت بها.

والصوت لا يُسمع بوضوح إن علا فوق احتمال السمع.

والحقيقة قد تمر بك كل يوم حتى تصبح مألوفة إلى الحد الذي يمنعك من إدراكها.

لهذا، حين يُحجب عنك شيء، لا تسأل أولًا: أين ذهب؟

اسأل: ما الذي تغيّر في عيني؟

قد يكون الشيء أمامك، لكنك تبحث عنه بصورة أخرى

من أغرب ما يصنعه العقل أنه لا يبحث عن الأشياء كما هي، بل كما تخيّل أنها ينبغي أن تكون.

نبحث عن الطمأنينة فنشترط أن تأتي في هيئة راحة كاملة.

ونبحث عن الحب فنشترط أن يشبه الصورة التي صنعناها له.

ونبحث عن المعنى فنظن أنه يجب أن يكون جملة واضحة تُفسّر كل شيء.

ثم تمر بنا الطمأنينة في لحظة عابرة فلا نراها، ويأتينا الحب في صورة لا تشبه توقعاتنا فنرفضه، ويظهر المعنى في خسارة أو فوات أو صمت فنحسبه عبثًا.

ليست المشكلة دائمًا أن ما نطلبه محجوب.

أحيانًا المشكلة أننا نعرف مسبقًا الشكل الذي نريد أن نجده عليه.

وحين تختلف الحقيقة عن الصورة، نختار الصورة.

لهذا قد يعيش المرء قريبًا جدًا من الجواب، لكنه يظل يسأل السؤال نفسه أعوامًا؛ لأنه ينتظر جوابًا من النوع الذي يريد، لا من النوع الذي هو موجود.

وكم من إنسان قال: «لم أجد»، بينما الحقيقة أنه وجد، ثم لم يُعجبه ما وجد.

بعض الأشياء لا تُرى إلا بعد أن تكف عن طلبها

هناك معرفة تأتي بالبحث، ومعرفة أخرى يفسدها الإفراط في البحث.

حين تضيع منك فكرة، قد تستعيدها في اللحظة التي تكف فيها عن إرغام ذهنك عليها.

وحين يختلط عليك قرار، قد يتضح بعدما تبتعد عنه قليلًا.

وحين تحاول فهم نفسك بعنف، تتكاثر أمامك الصور حتى تضيع أنت بينها.

ليس كل وصول يحتاج إلى ركض.

بعض الأشياء تحتاج إلى سكون يسمح لها بأن تظهر.

الماء المضطرب لا يعكس السماء، مع أن السماء لم تغب عنه.

وما حُجب عنك قد لا يحتاج إلى أن تجده، بل إلى أن يهدأ فيك ما يمنعك من رؤيته.

لهذا كان الصمت عند بعض الحكماء ضربًا من المعرفة؛ لا لأنه يخلق الحقيقة، بل لأنه يرفع الضجيج عنها.

فالإنسان ممتلئ بأصوات كثيرة: ما قيل له، وما قيل عنه، وما ينتظره الناس منه، وما خاف أن يكونه، وما تمنى لو كانه.

ثم يقف في وسط كل ذلك ويسأل: أين أنا؟

وكيف يجد نفسه بين هذا الجمع، وهو لم يُسكت أحدًا؟

وربما كان الحجب رحمة

لسنا مؤهلين دائمًا لرؤية كل شيء في اللحظة التي نطلبه فيها.

بعض الحقائق، لو ظهرت كاملة قبل أوانها، لأفسدت فينا أكثر مما أصلحت.

فالوعي نفسه يحتاج إلى زمن كي يحتمل ما يكشفه.

هناك أشياء تفهمها في الأربعين لو قيلت لك في العشرين لرفضتها، لا لخطئها، بل لأنك لم تكن قد صنعت في داخلك المكان الذي تتسع فيه.

ولهذا فإن التأخر في الفهم لا يعني دائمًا أنك كنت أحمق.

ربما كنت غير مستعد فقط.

والحقيقة التي لا تستطيع حملها تتحول من نور إلى عبء.

أحيانًا لا يُحجب عنك الشيء عقابًا، بل يُؤخر حتى لا تهدمه بجهلك به.

والأعجب أنك حين تصل إليه بعد أعوام تقول: كان أمامي منذ البداية.

نعم.

كان أمامك.

لكن الذي لم يكن حاضرًا هو أنت الذي يستطيع رؤيته.

لا تبحث في المكان الذي فقدته فيه

هذه إحدى أكثر حيل الذاكرة قسوة.

كلما فقدنا شيئًا عدنا إلى موضع فقده.

نعود إلى المكان، وإلى الشخص، وإلى اللحظة، وإلى النسخة القديمة من أنفسنا، كأن ما ضاع هناك يجب أن يبقى هناك.

لكن كثيرًا مما نفقده لا يُستعاد من موضع الفقد.

من فقد ثقته لا يجدها في الحادثة التي كسرتها.

ومن فقد الطمأنينة لا يعثر عليها في العودة إلى الأيام التي سبقت اضطرابه.

ومن فقد شخصًا لا يستعيد ما كان بينهما بإعادة الطرق القديمة ألف مرة.

بعض الأشياء، بعد أن تنكسر، لا تعود كما كانت.

لكن هذا لا يعني أنها انتهت.

قد تتحول.

قد يصبح الحب ذكرى، والذكرى معنى، والمعنى جزءًا من بصيرتك.

وقد تتحول الخسارة نفسها إلى نافذة ترى بها أشياء لم تكن تراها قبلها.

ولهذا فإن البحث عن «ما كان» قد يحجب عنك «ما أصبح».

ونحن كثيرًا ما نبكي على هيئة الشيء، بينما جوهره لم يغادر تمامًا.

أين تجد إذن ما حُجِبَ عنك؟

ربما في المكان الذي لم تفكر في النظر إليه.

في الشيء الذي تجاهلته لأنه بدا عاديًا.

في سؤال خشيت أن تكمله.

في صمت لم تتحمله.

في خسارة حسبتها فراغًا وهي تعيد ترتيبك.

في إنسان لم يشبه الصورة التي رسمتها له.

وفي نفسك، لكن ليس في النسخة التي تعرفها عنها.

وقد لا تجده دفعة واحدة.

فبعض الأشياء لا تعود كإجابة، بل كإشارات صغيرة تتكرر حتى تفهم.

تظهر في جملة سمعتها عرضًا.

وفي موقف صغير.

وفي خوف يتكرر بطريقة واحدة.

وفي انجذاب غامض إلى أمر لا تعرف سببه.

حتى تبدأ الخيوط في الاجتماع، وتدرك أن ما ظننته غائبًا كان يترك لك علامات طوال الطريق.

المشكلة أننا نريد الحقيقة أن تصرخ.

بينما هي في الغالب تهمس.

ونريدها أن تقف أمامنا كاملة.

بينما تصلنا أجزاءً متفرقة، ولا نرى صورتها إلا بعد أن نجمعها.

وحينها فقط نفهم شيئًا بالغ الغرابة:

أن بعض ما حُجب عنا لم يكن مختبئًا منا أصلًا.

نحن الذين كنا مختبئين عنه. 

اقرأ أيضًا :

المعرفة تملأ العقل، أما الإدراك فيغيّر الإنسان

كلما اتسعت الرؤية ضاقت الأحكام

لو رأيتني حقًا، لاح لك من أنا

الهوية والذات: من أنا حقًا؟ – الجزء الأول

ذاكرة القلب للأشياء التي نسيها العقل

تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة