لن تعرف قيمة ما صرت إليه حتى تلتقي بمن كنت

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :





ليس الإنسان شخصًا واحدًا يمتد من الميلاد إلى النهاية. نحن سلسلة من الأشخاص الذين حملوا الاسم نفسه ثم رحلوا دون جنازة.

في داخلك طفل كان يخاف أشياء لم تعد تخيفك، وشاب صدّق وعودًا لم تعد تقنعك، وإنسان أحب أشياء لا تكاد اليوم تلتفت إليها. وكل نسخة مضت تركت فيك شيئًا: أثرًا، أو ندبة، أو عادة، أو حكمة، ثم انحسرت بهدوء حتى ظننت أنك كنت دائمًا كما أنت الآن.

ولعل من أكبر أوهام الذاكرة أنها تجعل الماضي قريبًا إلى درجة أننا ننسى مقدار المسافة التي قطعناها.

الإنسان لا يشعر بتحوله وهو يتحول

الشجرة لا تسمع نموها.

وكذلك الإنسان.

لا تستيقظ صباحًا فتجد الحكمة قد اكتملت فيك، ولا تستطيع عادة تحديد اليوم الذي أصبحت فيه أقل اندفاعًا أو أشد فهمًا أو أكثر تصالحًا. الأشياء الكبرى تتكون في صمت.

موقف صغير يعلمك ألا تبرر نفسك كثيرًا.

خذلان واحد يجعلك أقل انبهارًا بالكلمات.

فقد طويل يعلمك أن البقاء ليس حقًا مكتسبًا.

خطأ قديم يجعلك أرحم بمن يخطئون.

ثم تمر السنون، وتلتفت ذات يوم فتجد أن الرجل الذي كان سيغضب من أمر ما لم يعد موجودًا، وأن من كان سيلاحق بعض الناس طالبًا تفسيرًا رحل هو الآخر، وأن أشياء كانت قادرة على هدم يومك لم تعد تستطيع الآن أن تحرك فيك إلا ابتسامة عابرة.

لا لأن العالم تغير.

بل لأنك أنت تغيرت.

لا تحتقر النسخة القديمة منك

ومن الظلم أن تنظر إلى ماضيك بعقل الحاضر ثم تحتقر من كنت.

ذلك الإنسان القديم لم يكن يملك ما تملكه الآن.

لم يعرف ما عرفته.

لم ير ما رأيته.

كان يتصرف بما في يديه من فهم، وربما أخطأ كثيرًا، لكنه هو الذي دفع ثمن المعرفة التي تتكئ عليها اليوم.

نحن غالبًا نحب حكمتنا ونكره ثمنها.

نفتخر بأننا صرنا أهدأ، وننسى الليالي التي صنعت الهدوء. نتباهى بأننا أصبحنا أقدر على التمييز، ونخجل من الأشخاص الذين خدعونا وأكسبونا تلك القدرة. نفرح بقوتنا، ثم نحتقر ضعفًا قديمًا كان هو المدرسة الأولى لهذه القوة.

لكن لا حكمة بلا سذاجة سابقة.

ولا بصيرة بلا عتمة.

ولا اتزان بلا فوضى سبقت الاتزان.

إنك مدين، بطريقة ما، لكل نسخة منك أخطأت ثم تركت لك خطأها معرفة.

بعض ما فقدته كان أنت

حين نقول إن الزمن يأخذ منا أشياء كثيرة، نفكر في الأشخاص والأماكن والفرص. لكن الزمن يأخذ أيضًا نسخًا كاملة منا.

لن تعود قادرًا على الدهشة بالطريقة نفسها.

لن تثق بالطريقة نفسها.

لن تحزن بالطريقة نفسها.

حتى فرحك يتبدل.

وهذه ليست كلها خسارة، لكنها ليست كلها مكسبًا أيضًا.

النضج صفقة معقدة؛ يمنحك البصيرة ويأخذ بعض البراءة، يمنحك التماسك ويأخذ شيئًا من الاندفاع، يعلمك ألا تتعلق بكل شيء لكنه ربما يسلب منك القدرة على الركض نحو الأشياء دون حساب.

لهذا يشعر الإنسان أحيانًا بالحنين إلى نفسه القديمة أكثر من حنينه إلى الماضي.

لا يشتاق إلى المكان، بل إلى الشخص الذي كانه في ذلك المكان.

يشتاق إلى قلب لم يكن يعرف بعدُ كل ما يعرفه الآن.

إلى سهولة الضحك.

إلى الثقة الأولى.

إلى أيام لم تكن الحياة قد شرحت له نفسها بالكامل.

لكن استعادة تلك النسخة مستحيلة، وربما ليست مرغوبة أيضًا. فالإنسان لا يستطيع أن يستعيد براءته دون أن يفقد بصيرته، ولا يمكنه أن يمحو معرفته دون أن يمحو جزءًا مما صار إليه.

نحن لا نعود إلى الوراء كاملين.

حتى لو عدنا إلى المكان نفسه، نصل إليه بأعين أخرى.

قِس المسافة بما لم تعد تفعله

ربما لا تعرف مقدار نموك لأنك تنظر دائمًا إلى ما لم تصل إليه.

ترى نقائصك، لا المسافة.

ترى أهدافك البعيدة، ولا ترى الطرق التي لم تعد تسلكها.

لكن إذا أردت أن تعرف من أصبحت، فلا تسأل فقط ماذا أنجزت. اسأل ماذا توقفت عن فعله.

كم موقفًا كنت ستدخل فيه دفاعًا عن نفسك ثم تجاوزته؟

كم شخصًا كنت ستطارده كي يفهمك ثم تركته يفهم ما يشاء؟

كم إهانة كان يمكن أن تسكن رأسك أسبوعًا وصارت الآن تمر في ساعة؟

كم مرة قلت «لا» لما كنت تقبل به خوفًا من خسارة الناس؟

كم شيء كنت تظنه نهاية العالم ثم صار اليوم مجرد ذكرى؟

هناك انتصارات لا تحمل شهادات.

ولا يصفق لها أحد.

لكنها ربما أعظم ما ينجزه الإنسان في حياته.

أن يصبح أكثر سيادة على نفسه.

أن يقل احتياجه إلى التصفيق.

أن يعرف متى يمضي.

أن يحب دون أن يفقد نفسه.

أن يغفر دون أن يعود إلى الموضع الذي جُرح فيه.

أن يتعلم الفرق بين اللين والضعف، وبين الكبرياء والكرامة، وبين الوحدة والسلام.

يوم تلتقي بمن كنت

تخيل لو جلس أمامك الشخص الذي كنتَه قبل عشر سنوات.

ربما لن يعرفك جيدًا.

سيستغرب بعض الأشياء التي لم تعد تعنيك، وبعض الأحلام التي غادرتها، وبعض الناس الذين صاروا غرباء، وبعض المبادئ التي أصبحت مستعدًا الآن أن تخسر الكثير ولا تتخلى عنها.

وربما يسألك:

هل وصلنا؟

ولن تعرف كيف تجيبه.

لأنك ستكتشف أن «الوصول» نفسه تغير معك.

أشياء كنت تعدها غاية صارت هامشًا.

وأشياء لم تكن تراها صارت أثمن ما لديك.

وربما تنظر إليه بحنان، لا بتعالٍ، وتقول له إن الطريق لم يكن كما توقع، وإن بعض من وعدوه بالبقاء رحلوا، وإن بعض الأبواب لم تفتح، وإنه أخطأ كثيرًا.

لكن ربما ستضيف شيئًا واحدًا:

كل ذلك لم يضع.

لأننا لا نعيش التجارب ثم نتركها خلفنا؛ إنها تدخل في تركيبنا.

كل ما عبرته موجود في الطريقة التي تفكر بها اليوم، وفي الأشياء التي لم تعد تخافها، وفي الصمت الذي تعلمته، وفي الحدود التي وضعتها، وفي الأشياء التي أصبحت تراها قبل أن يقولها أصحابها.

لهذا لا تحزن كثيرًا على الشخص الذي كنت.

ولا تتعجل الشخص الذي ستصبح.

احترم المسافة بينهما.

ففي تلك المسافة دُفعت أثمان لا يعرفها أحد سواك.

وفي النهاية، قد لا يكون أعظم ما تحققه في الحياة منصبًا أو مالًا أو شهرة.

ربما يكون أعظم ما تحققه أن تصل يومًا إلى نفسك، وتنظر في هدوء إلى كل النسخ التي سبقتك، ثم تقول لها:

لقد حملتكم جميعًا إلى هنا.



اقرأ أيضًا :

 ذاكرة القلب للأشياء التي نسيها العقل
ذاكرة القلب للأشياء التي نسيها العقل

اقرأ أيضًا: أن تكبر وتظلّ قابلًا للدهشة: جمال الحياة بعيون ناضجة
أن تكبر وتظلّ قابلًا للدهشة

اقرأ أيضًا: ستٌّ من السنين بعد الفوت وتحت الانقضاء
ست من السنين بعد الفوت وتحت الانقضاء

اقرأ أيضًا: لم أعد أعرف ما أريده: حين ننسى رغباتنا لنقبل المتاح
لم أعد أعرف ما أريده



                                                                                   تليد..




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة