الأشياء التي تنقذك لا تأتي دائمًا على هيئة نجاة

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


لا تطرق بابًا سيأتيك 



ثمة وهم قديم يسكن الإنسان:

أن النجاة ينبغي أن تكون واضحة، وأن الخير إذا جاءه فلا بد أن يأتيه في ثوبٍ يعرفه، وأن الطريق الصحيح ينبغي أن يُشعره منذ بدايته بالطمأنينة. ولعل أكثر ما يُضلّلنا في الحياة أننا نحاكم الأشياء من هيئتها الأولى؛ فنسمّي الباب المغلق خسارة، والتأخير حرمانًا، والفراق انكسارًا، والخذلان نهاية، ثم تمر السنون فنكتشف أن بعض ما بكينا عليه لم يكن إلا يدًا خفية تنتشلنا من شيء لم نكن نرى قعره.

ليست الحياة ملزمة بأن تشرح لك حكمتها فورًا.

كثير من المعاني لا تُقرأ وهي تحدث؛ إنها تحتاج إلى مسافة. كما أن المرء لا يرى صورة كاملة إذا ألصق وجهه بها، كذلك بعض الأقدار لا تُفهم إلا بعد أن نبتعد عنها. وما يبدو في الساعة الأولى فوضى قد يتضح بعد أعوام أنه كان أشد الأشياء ترتيبًا.

ليست كل خسارة نقصًا

نحن نقيس الخسارة بما خرج من أيدينا، لا بما خرجنا نحن منه.

قد تفقد مكانًا كنت تظنه مستقبلك، ثم تدرك لاحقًا أن بقاءك فيه كان سيستنزف أفضل ما فيك. وقد ينصرف عنك شخص ظننته امتدادًا لحياتك، ثم تعثر بعد غيابه على جزء منك لم يكن يستطيع الظهور وهو حاضر. وقد يتأخر أمر سعيت إليه طويلًا، ثم تفهم أن حصولك عليه في الوقت الذي أردته كان سيضعك في حياة لم تعد تريدها اليوم.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الوجود غرابة: أننا نحزن أحيانًا على الأشياء التي أنقذتنا.

نقف طويلًا أمام ما أُخذ منا، ولا نسأل ماذا أُخذنا نحن منه.

فالإنسان بطبعه متعلق بما يعرفه، حتى وإن آذاه. المألوف يمنح النفس وهم الأمان، ولذلك قد يختار المرء ألمًا اعتاده على مجهول قد يحرره. ولهذا لا تكون النجاة دائمًا لطيفة. قد تأتي في صورة اقتلاع، أو نهاية حاسمة، أو تغيير لم تطلبه، أو حقيقة كنت تتمنى لو لم تعرفها.

لكن الحقيقة، مهما قست، أرحم من حياة كاملة مبنية على الوهم.

بعض الأبواب لا تُفتح لأنها تحرسك

هناك أبواب يطرقها الإنسان حتى تتعب يداه، ثم يغادرها وهو يظن أن الحياة خذلته. ولا يعلم أن خلفها ربما كان شيء لو دخله لتمنى العودة إلى اللحظة التي وقف فيها خارجها.

نحن نعرف رغباتنا، ولا نعرف دائمًا عواقبها.

وهذا هو الفارق بين ما نريده وما يصلح لنا.

قد تريد الشيء لأنك ترى بريقه، بينما الحياة ترى امتداده. تريد الوظيفة ولا تعرف ما ستأخذه منك. تريد العلاقة ولا تعرف ما ستفعله بك. تريد الشهرة ولا تعرف ثمن أن تصبح مرئيًا للجميع. تريد المال ولا تعرف أي نسخة منك ستولد حين يصبح في يدك. تريد الوصول سريعًا ولا تدرك أن بعض الرحلات إذا اختُصرت، اختُصر معها الإنسان نفسه.

ولهذا ربما كانت بعض العوائق تربيةً لا عقوبة.

فالطريق الذي يجعلك تنتظر قد يعلمك ما لم يكن سيعلمك إياه الوصول. والباب الذي لا يفتح قد يعيدك إلى بابك الحقيقي. والخذلان قد يردّك إلى نفسك بعد أن بالغت في الارتهان للآخرين.

ليس كل ما يؤلمك عدوًا لك.

ثمة ألم يهدم، وثمة ألم ينحت.

والفارق لا يُعرف في لحظته.

الأشياء الكبيرة تأتي متنكرة

أعظم التحولات لا تدخل حياتنا عادة وهي تحمل أسماءها الحقيقية.

لا تقول لك التجربة: «أنا هنا لأجعلك أكثر حكمة».

ولا يقول الفقد: «سأعلمك قيمة ما يبقى».

ولا تقول الوحدة: «جئت لأعرّفك بنفسك».

ولا يقول الفشل: «سأنزع منك الغرور الذي كان سيهزمك يومًا».

إنها تدخل بأسماء أخرى: خسارة، انكسار، حيرة، تأخير، اضطراب. ثم تؤدي عملها في الأعماق وتمضي، وحين تلتفت بعد زمن ترى أنك لم تعد الشخص ذاته.

وهذا ربما أحد أسرار النضج: أن تكف عن سؤال الحياة في كل مرة «لماذا فعلتِ بي هذا؟»، وأن تبدأ أحيانًا بسؤال أكثر رحابة: «ماذا صنعتِ بي من خلال هذا؟».

ليس في الأمر دعوة إلى تمجيد الألم، ولا إلى اعتبار كل خسارة خيرًا. بعض الأشياء مؤلمة لأنها مؤلمة وحسب، وبعض ما يفقده الإنسان لا تعوضه حكمة ولا تُلغيه الأيام. ولكن حتى في تلك المواضع، قد ينشأ في الداخل شيء لم يكن ليولد بغير ذلك الامتحان: رحمة، أو بصيرة، أو هدوء، أو قدرة على رؤية الناس بعيدًا عن أحكامهم السطحية.

فالذين عبروا العواصف لا ينظرون إلى المطر بالطريقة نفسها.

لا تستعجل تفسير حياتك

من القسوة أن تحكم على فصل كامل من كتابك وأنت ما زلت في منتصفه.

كم من حدث ظننته خاتمة فإذا هو فاصلة. وكم من نهاية بدت لك خرابًا ثم صارت بداية لشيء أصدق. وكم من أمر تمنيت لو لم يقع، ثم لو خُيّرت بعد سنوات ألا يقع لاخترت أن يبقى كما حدث؛ لأنه، رغم قسوته، صنع منك إنسانًا لم تكن لتصير إليه بغيره.

قد لا تكون النجاة أن يعود إليك ما فقدت.

قد تكون أن تصبح قادرًا على العيش دونه.

وقد لا يكون التعويض أن يمنحك الزمن شيئًا أكبر.

قد يكون أن يمنحك عينًا ترى أن ما كنت تظنه كبيرًا لم يكن كذلك.

وقد لا تكون الإجابة أن تعرف لماذا وقع كل شيء.

أحيانًا تكون الإجابة أن تبلغ من السلام حدًا لم تعد تحتاج معه إلى معرفة السبب.

إن أكثر ما يرهق الإنسان هو اعتقاده أن عليه فهم كل شيء وهو يحدث. وليس ذلك شرطًا للحياة. يكفي أحيانًا أن تمضي بوقار، وأن تمنح الأيام فرصة لتشرح ما عجزت اللحظة عن شرحه.

فبعض الأشياء التي كسرت خطتك لم تكسر حياتك.

وبعض الطرق التي أضاعتك أوصلتك.

وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت تحرس بقية عمرك.

ولعل الحكمة ليست أن تعرف دائمًا أين تكمن النجاة، بل أن تبلغ من السعة ما يجعلك تقول حين يختلط عليك الطريق:

ربما لم أفهم ما حدث بعد.

وهذه الـ«بعد» وحدها تترك للحياة مجالًا كي تكشف لك بقية الحكاية.



اقرأ أيضًا أو أستمر في عدم تغذية عقلك بالإكتفاء بالمدارك الحالية:

  • الأبواب التي أغلقها الله رحمةً بك
  • فنُّ خسارة الأشياء
  • حين تشعر أن الله يبعد عنك ما تُحب...
  • الأشياء التي دفعت ثمن معرفتها من عمري

  •                               


                                                                                       تليد..                    



                                                    

    تعليقات

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة