ليس كل من لم يظلم بريئًا | فلسفة الصمت والمسؤولية
ليس كلُّ من لم يَظلِم بريئًا
لطالما احتمى الإنسان ببراءة ما لم يفعل، حتى غدا الامتناع عن الشر في نظره فضيلةً مكتملة الأركان، كأن النزاهة تُقاس بما لم تقترفه الأيدي، لا بما أقرّته الضمائر في خلواتها. غير أن في الأخلاق ثغرةً موحشة، قلّما يتجرأ المرء على النظر فيها؛ وهي أن الإنسان قد يكون بمنأى عن اقتراف المظلمة، ولكنه ليس بالضرورة بمنأى عن المسؤولية تجاهها.
فليس كل من لم يكذب صادقًا، ولا كل من لم يخُن أمينًا، ولا كل من لم يبطش عادلًا؛ إذ قد تتوارى الخيانة خلف الكتمان، ويتخفّى الكذب في انتقاء الحقيقة، ويستتر الظلم وراء حيادٍ أنيق لا يُثير الارتياب.
إن أشد الأسئلة الأخلاقية إيلامًا ليس: ماذا فعلت؟ بل: ماذا كان بوسعك أن تمنع، وآثرت أن تدعه يحدث؟
وهنا تبدأ المحاكمة التي لا تُعقد في قاعات القضاء، بل في ذلك الموضع القصيّ من النفس، حيث لا تنفع البلاغة، ولا تُقبل شهادة الإنسان لنفسه لمجرد أنه لم يرفع يده على أحد.
أولًا: حين تصبح البراءة حيلةً أخلاقية
ليس الظلم حادثةً منفردة يُنشئها الظالم بقدرته وحده، بل قد يكون بناءً اجتماعيًا تتضافر على إقامته أفعالٌ ظاهرة، ومواقف مستترة، وامتناعات متعاقبة، حتى يشتدّ عوده ويستحيل أمرًا مألوفًا.
قد يتعسّف مسؤول في حق أحد مرؤوسيه، ويعلم الحاضرون أن قراره مجحف، فلا يعترضون. وليسوا جميعًا شركاء في الجناية على مرتبة واحدة؛ فمنهم من يخشى على قوته، ومنهم من تنقصه المعرفة، ومنهم من يفتقر إلى السلطة. غير أن بينهم من يمتلك القدرة على الاعتراض، ويأمن عاقبته، ثم يختار الصمت صونًا لمكانته أو استبقاءً لمنفعته.
هذا الأخير لم يصدر القرار، ولكنه ربما منح صاحبه ما هو أثمن من القرار ذاته: الاطمئنان إلى غياب الممانعة.
وهكذا تتكون للظلم هيبةٌ مصطنعة؛ لا من عدالة أصحابه، وإنما من اتساع المسافة بين ما يعلمه الناس وما يجرؤون على إعلانه.
وقد تناولت الفيلسوفة السياسية جوديث شكلار هذه المعضلة في كتابها «وجوه الظلم»، حين وسّعت النظر في المظالم ليشمل التقاعس عن منعها أو تخفيف آثارها، وهو ما ناقشته تحت مفهوم الظلم السلبي.
ولعل المأزق الأكبر أن الإنسان يستطيع أن يقتنع بسلامة موقفه، لا لأنه اتخذ الموقف الصحيح، بل لأنه لم يتخذ موقفًا أصلًا.
إن البراءة التي تحتاج إلى غياب الشجاعة كي تظل بريئة، براءةٌ تستحق المراجعة.
ومع ذلك، ينبغي ألّا يتحول هذا المعنى إلى محكمة تُدين كل صامت؛ فالاستطاعة أصل المسؤولية، وما يستطيعه صاحب النفوذ ليس مما يُطالب به من استُلبت منه الحيلة.
ثانيًا: الحياد الذي يختار صاحبه دون أن يعترف
ثمة فرقٌ عظيم بين الحياد بوصفه إنصافًا عقليًا، والحياد بوصفه انسحابًا من المسؤولية.
فالأول يقتضي التروّي، واستقصاء الوقائع، والتحرر من الأهواء؛ أما الثاني فقد يتحول إلى وسيلةٍ لتجنب التبعات، حين تتضح الحقيقة ويصبح اتخاذ الموقف مكلفًا.
وليس أخطر على المجتمع من إنسانٍ يملك رأيًا في كل شيء، إلا حين يحتاج الحق إلى رأيه؛ عندئذٍ يستحضر فضيلة الصمت، ويستدعي حكمة التريّث، ويتذرّع بأن الأمر لا يعنيه.
إنه لا يدافع عن الباطل، ولكنه يكره أن يخسر شيئًا في سبيل الحق.
وقد يكون الإنسان شديد الاستقامة في شؤونه الخاصة، صادق المعاملة، كريم السجية، غير أنه يقف أمام ظلم الآخرين وقوف المتفرج الذي ينتظر انتهاء المشهد ليعود إلى حياته كما كانت.
وفي هذا التناقض تتجلى إحدى غرائب النفس البشرية: أن المرء قد يأنف من اقتراف الرذيلة، ولا يأنف بالقدر نفسه من الانتفاع بنتائجها.
وفي عام 1963، كتب مارتن لوثر كينغ رسالته الشهيرة من سجن برمنغهام، منتقدًا أولئك الذين يفضّلون النظام والهدوء على معالجة الظلم القائم. ولم يكن اعتراضه منصبًّا على المعتدين وحدهم، بل امتدّ إلى من جعلوا انتظار العدالة بديلًا عن السعي إليها.
وهذا المثال يُثير سؤالًا يتجاوز سياقه التاريخي:
هل يصبح الإنسان عادلًا لمجرد أنه لم يشارك في الظلم، أم أن العدالة تستلزم منه مسؤوليةً إيجابية حين تسمح له قدرته وظروفه بذلك؟
لا توجد إجابة واحدة تُلزم الناس جميعًا بالتضحية ذاتها؛ فالخطر متفاوت، والقدرة متفاوتة، لكن التفاوت لا يُبطل أصل السؤال.
ليس المطلوب أن يكون كل إنسان بطلًا، وإنما ألّا يتخذ من عجز الآخرين ذريعةً لإخفاء قدرته.
ثالثًا: حين يتوزّع الذنب حتى لا يحمله أحد
من أعجب خصائص الجماعات البشرية أن المسؤولية قد تتضاءل في شعور الفرد كلما ازداد عدد الشهود.
فإذا وقع اعتداء أمام شخص واحد، فقد يستشعر أن الموقف يستدعي تدخله. أما إذا احتشد عشرات المتفرجين، فقد يُحيل كل منهم المبادرة إلى غيره، حتى يغدو المشهد مكتظًا بالحاضرين وخاليًا ممن يتصرف.
وقد بحث عالما النفس جون دارلي وبيب لاتاني هذه الظاهرة سنة 1968، في دراسة تناولت تشتت المسؤولية أثناء حالات الطوارئ، وأظهرت كيف يمكن لتصور وجود شهود آخرين أن يُبطئ استجابة الفرد للمساعدة.
وهذه الظاهرة النفسية لا تعني أن كل ممتنع عن التدخل مذنب، لكنها تكشف قابلية الإنسان لأن يستعير من كثرة الحاضرين شعورًا زائفًا بالإعفاء الشخصي.
ولعل ذلك يحدث في مؤسساتنا ومجتمعاتنا أكثر مما نتصور.
تُهدر كرامة إنسان أمام جماعة، فينتظر كل حاضر اعتراض الآخر.
ويُشوَّه غائب في مجلس، فيحسب كل سامع أن الإنصاف مسؤولية من هو أقرب إليه.
ويُتخذ قرار جائر، فيلوذ الجميع بعبارة واحدة: «ليس الأمر من اختصاصي».
حتى يصبح الاختصاص، الذي وُضع لتنظيم المسؤوليات، ذريعةً لتبديدها.
غير أن المجتمع لا ينهض بكثرة من يعلنون استقامتهم، وإنما بوجود من يحوّلون تلك الاستقامة إلى سلوكٍ حين تستدعي الضرورة ذلك.
وتبرز هنا فكرة ناقشتها حنّة آرنت في كتاب «المسؤولية والحكم»: أن المسؤولية الأخلاقية لا تنفصل عن قدرة الإنسان على التفكير في أفعاله، والتمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، حتى حين تستقر الأعراف أو الأوامر على خلاف ذلك.
فقد يكون الإنسان مطيعًا للنظام، محترمًا للتقاليد، منضبطًا في أداء واجباته، ومع ذلك يُسهِم في استمرار وضعٍ جائر، إذا جعل الطاعة بديلًا عن الحكم الأخلاقي.
وليست هذه دعوةً إلى العصيان، وإنما إلى ألّا يستقيل الضمير حين تبدأ الإجراءات.
فالقوانين تُنظّم الأفعال، والأنظمة توزّع الاختصاصات، أما الضمير فلا يجوز أن يتحول إلى موظفٍ ينتظر التعليمات.
وأشد ما يُخشى على العدالة أن يصبح الناس جميعًا أبرياء في نظر أنفسهم، بينما يظل المظلوم عاجزًا عن العثور على مسؤول واحد.
الخاتمة: البراءة ليست نهاية السؤال
قد يعيش الإنسان عمرًا كاملًا دون أن يعتدي على أحد، ثم يكتشف عند اختبار ضميره أن فضيلته لم تتجاوز حدود الامتناع.
غير أن الامتناع عن الشر، وإن كان محمودًا، لا يستنفد جميع مقتضيات الخير.
فالعدالة ليست بطولةً دائمة، ولا التزامًا باقتحام المخاطر دون تقدير، ولا مطالبةً للضعيف بما يعجز عنه؛ وإنما تبدأ بإدراك أن للقدرة تبعة، وللمعرفة أمانة، وللموقف أثرًا قد يتجاوز صاحبه.
وما من إنسانٍ يُطالب بإصلاح العالم كله، ولكن من حق ضميره عليه ألّا يُسمّي المصلحة حيادًا، أو الجبن حكمة، أو التواطؤ سلامةً من الخطأ.
ذلك أن الظلم لا يقتات دائمًا على قسوة الظالمين، فقد يجد في مهادنة القادرين غذاءً يكفيه للاستمرار.
وليس من الإنصاف أن نُساوي بين المعتدي والمتفرج، أو أن نحمل كل صامت وزر ما لم يستطع دفعه؛ لكن من الإجحاف كذلك أن نُعفي من المسؤولية كل من لم يباشر الأذى بيده.
ولعل أعظم ما ينبغي للإنسان أن يخشاه ليس أن يُسأل يومًا عن الشر الذي اقترفه فحسب، بل أن يجد نفسه عاجزًا عن تفسير الخير الذي استطاع فعله ثم أعرض عنه.
فليست الطهارة أن تخرج من مستنقع الظلم نظيف اليدين، فقد تكون أنت من أمسك الباب للظالمين.
وحينئذٍ لن يكون السؤال: هل كنت ظالمًا؟
بل سيكون أشدّ وطأة:
هل كنت بريئًا حقًا، أم كنت مطمئنًا إلى أن أحدًا لن يسألك عمّا تركته يحدث؟
اقرأ أيضًا :1. لماذا ينجح الباطل أحيانًا؟ (الفصل الثاني)
2. هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟
4. لماذا ينجذب الإنسان إلى القوة رغم أنه يعرف أنها قد تفسده؟
5. هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟
تليد…
تعليقات
إرسال تعليق