العاجز لا يُختبر، والبارد لا يُفتن… فمن أين تبدأ العصمة؟
العاجز لا يُختبر، والبارد لا يُفتن… فمن أين تبدأ العصمة؟
ليس كل من امتنع عفيفًا، ولا كل من صمت حكيمًا، ولا كل من ابتعد زاهدًا.
فقد يمتنع المرء لأنه لا يستطيع، ويصمت لأنه لا يملك جوابًا، ويبتعد لأنه لم يُدعَ أصلًا. وحين تتشابه الأفعال في ظاهرها، يختلف معناها اختلافًا هائلًا في باطنها؛ لأن الفضيلة لا تُقاس دائمًا بما فعله الإنسان، بل بما كان قادرًا على فعله ثم آثر ألّا يفعله.
هنا تبدأ المعضلة.
هل يكون المرء عصيًّا على الانحراف لأنه لم يشتهِ قط، أم لأنه اشتهى ثم ضبط؟ وهل يُسمّى وفيًّا من لم يجد بديلًا، أم من وجد البدائل كلها ثم لم تتبدل بوصلته؟ وهل النزاهة غياب الفرصة، أم حضورها ثم تجاوزها؟
العاجز لا يُختبر حقًا؛ لأن الامتحان يحتاج إلى قدرة.
والبارد لا يُفتن؛ لأن الفتنة تحتاج إلى حرارة.
أما الإنسان الذي تجتمع فيه الرغبة والقدرة والفرصة ثم يختار ألّا ينحدر، فهناك فقط يبدأ السؤال الحقيقي عن العصمة.
والمقصود بالعصمة هنا ليس معناها العقدي المطلق، بل ذلك المقدار الإنساني من الحفظ الداخلي؛ حين يمنع الإنسان نفسه مع قدرته على إطلاقها.
الفضيلة التي لم تُجرَّب قد تكون مجرد ظرف
من السهل أن نظن أنفسنا أناسًا مستقيمين ما دامت الطرق المنحرفة بعيدة عنا.
ومن السهل أن نتحدث عن الوفاء ونحن لم نقابل ما يهدده، وعن الشجاعة ونحن لم نخف، وعن الصبر ونحن لم نخسر شيئًا نحبه.
لكن الأخلاق التي لم تدخل النار تظل، إلى حد بعيد، تصورات عن الأخلاق.
فالإنسان قد يحمل عن نفسه صورة ناصعة أعوامًا، ثم تأتيه لحظة واحدة تكشف له أن كثيرًا مما كان يسميه مبادئ لم يكن إلا راحةً لم تُستفز.
قد يقول: أنا لا أكذب.
ثم يجد نفسه أمام حقيقة إن قالها خسر منفعة عظيمة.
هنا يبدأ صدقه.
وقد يقول: أنا لا أخون.
ثم تتاح له الخيانة كاملة، آمنة، مغرية، ولا يراه فيها أحد.
هنا يبدأ وفاؤه.
وقد يقول: أنا لا أظلم.
ثم تقع القوة في يده ويصبح قادرًا على إيذاء من آذاه دون مساءلة.
هنا يبدأ عدله.
ذلك أن الفضيلة لا تكتمل حين لا يكون للشر باب؛ بل حين يكون الباب مفتوحًا وتختار ألّا تدخله.
البارد لا يُفتن لأنه لا يدفع ثمن الامتناع
هناك فرق كبير بين إنسان لا يريد، وإنسان يريد ولكنه لا يُسلّم نفسه لإرادته.
الأول لم يخسر شيئًا.
أما الثاني فقد خاض نزاعًا داخليًا لا يراه أحد.
ولهذا ليست قيمة ضبط النفس في النتيجة وحدها، بل في مقدار القوة التي كان يحتاجها الإنسان ليصل إلى تلك النتيجة.
قد يبدو شخصان متشابهين من الخارج: كلاهما لم يتجاوز حدًا.
لكن أحدهما لم يشعر بشيء، والآخر كان في داخله ميدان كامل ثم عاد منه ولم يعلم أحد أن حربًا قامت أصلًا.
أيّهما أحق بأن نسميه متزنًا؟
إن البرودة ليست فضيلة في ذاتها.
كما أن شدة العاطفة ليست رذيلة في ذاتها.
فالإنسان الذي لا يشعر ليس أرفع شأنًا من الإنسان الذي يشعر بعمق ثم يعرف أين يضع شعوره.
بل لعل بلوغ الاتزان مع حرارة النفس أعسر وأجمل من بلوغه في نفس لم تتحرك أصلًا.
فالفضيلة ليست أن ينطفئ الإنسان حتى يصبح آمنًا.
الفضيلة أن يبقى حيًا دون أن يصبح عبدًا لما يحياه.
وما قلة الحيلة إلا عصمة مستعارة
ثمة أخلاق كثيرة تصنعها العجز ثم تنسبها النفس إلى نفسها.
قد يكون الرجل متواضعًا لأنه لم يملك موضعًا يتكبر منه.
وقد يكون كريمًا في القول لأن المال لم يقع في يده ليُختبر كرمه بالفعل.
وقد يكون بعيدًا عن الانتقام لأنه لا يستطيع الانتقام.
ثم تتغير الأحوال، ويتغير معها الرجل الذي كان يظن نفسه ثابتًا.
حينها يكتشف أن كثيرًا مما عدَّه خُلقًا كان مجرد ترتيب مؤقت للقوة.
ولهذا فالقدرة تكشف الإنسان أكثر مما يكشفه الضعف.
فالضعيف محكوم بحدوده، أما القادر فيكشف اختياره.
ومن هنا كانت السلطة والمال والجمال والنفوذ والفرص امتحانات أخلاقية خطيرة؛ لأنها لا تضيف إلى الإنسان دائمًا شيئًا جديدًا، بل قد تزيل عنه القيود التي كانت تخفي حقيقته.
ليس كل من تغير حين قدر قد فسد بعد القدرة.
ربما كان ما نراه اليوم موجودًا فيه منذ البداية، لكنه لم يكن يملك الوسيلة التي تُظهره.
القدرة لا تخلق الجوهر دائمًا.
أحيانًا تكشفه فقط.
فمن أين يبدأ الاتزان؟
يبدأ حين لا تطلب من نفسك أن تصبح بلا رغبة.
لأن من يحاول قتل عاطفته كي لا يخطئ يشبه من يهدم البيت كله لأنه يخشى أن يُفتح أحد أبوابه.
الاتزان ليس فراغًا.
إنه تنظيم.
ليس أن تختفي الرغبة، بل أن تعرف رتبتها.
ليس أن تنعدم الشهوة، بل ألا تصبح صاحبة القرار.
ليس أن يتوقف القلب عن الميل، بل أن يفهم العقل أن كل ميل لا يستحق السير خلفه.
ومن هنا يظهر الفارق بين القمع والانضباط.
القمع يقول: «أنا لا أشعر».
أما الانضباط فيقول: «أشعر، لكنني لست مضطرًا إلى طاعة كل ما أشعر به».
وهذه مرتبة أشق بكثير.
فالإنسان الناضج لا يحتاج إلى إنكار طبيعته حتى يحفظ مبدأه.
هو يعترف بما فيه ثم يضع لكل شيء حدّه.
كأنه ملك يترك الأصوات كلها تتحدث في مجلسه، لكنه لا يمنح كل صوت حق إصدار الحكم.
الاختبار الحقيقي حين لا يراك أحد
لعل أصفى صور الأخلاق تلك التي لا يعلم بها أحد.
القرار الذي كان يمكنك أن تتجاوزه ولم تفعل.
الكلمة التي استطعت أن تؤذي بها فسكتَّ.
السر الذي كان سيمنحك انتصارًا لو أفشيته فدفنته.
الباب الذي كان مفتوحًا، وما كان خلفه مرغوبًا، ولم يكن ثمة شاهد سوى نفسك.
هناك تسقط مساحيق الفضيلة الاجتماعية.
فكثير من الناس مستقيمون ما دام الجمهور حاضرًا.
أما حين يغيب الجمهور، يظهر المعيار الأصدق: هل تحتاج إلى عين خارجية حتى تبقى كما تزعم أنك أنت؟
إذا احتاج مبدؤك دائمًا إلى مراقب، فهو أقرب إلى السلوك المنضبط بالخوف منه إلى الخُلق المستقر.
أما حين تستطيع أن تخون ولا تخون، وتكذب ولا تكذب، وتنتقم ولا تنتقم، ثم تمضي دون أن يعرف أحد أنك انتصرت على نفسك، فقد اقتربت من شيء أرفع من مجرد السمعة.
لقد بدأت تبني شاهدًا داخليًا.
العصمة تبدأ من القدرة لا من العجز
لذلك، لا تتباهَ كثيرًا بأمر لم تُختبر فيه.
ولا تحتقر من خاض معركة لم تدخلها أنت.
فقد يبدو لك ضبط غيرك يسيرًا لأنك لا تعرف مقدار الاشتعال الذي كان خلف سكونه.
وقد تظن أنك أصلب منه لأن الظروف لم تضعك قط حيث وُضع.
الحكمة أن يترك الإنسان في حكمه على نفسه مساحة لاحتمال لم يُمتحن بعد.
أن يقول: أرجو أن أثبت، لا: يستحيل أن أسقط.
فالغرور الأخلاقي من أخطر مقدمات السقوط؛ لأن من يتوهم أنه محصن تمامًا لا يحرس أبوابه.
والإنسان ليس عظيمًا لأنه لم يعرف الفتنة، ولا لأنه خلا من الرغبة، ولا لأنه عجز عما يفعله الآخرون.
عظمته تبدأ حين يمتلك القوة ولا يصبح مملوكًا لها.
حين تقترب منه الفرصة ولا تعيد كتابة مبادئه.
حين يكون قادرًا على تجاوز الحد، لكنه يرى في نفسه شيئًا أثمن من لذة العبور.
لذلك ربما كان السؤال الأدق ليس:
هل أنا معصوم؟
بل:
ماذا سأفعل حين أجتمع أنا ورغبتي وقدرتي والفرصة في غرفة واحدة، ولا يكون هناك أحد سوانا؟
هناك لا ينفع الادعاء.
ولا الصورة التي رسمتها لنفسك.
ولا المديح الذي جمعته من الناس.
هناك ستعرف أيّ الأشياء فيك كان مبدأً، وأيّها لم يكن سوى عجز.
فالبارد لا يُفتن.
والعاجز لا يُختبر.
أما الذي اشتعل ولم يحترق، وقدر ولم يبطش، ورغب ولم يستعبدْه ما رغب فيه—
فهنا، ربما، تبدأ العصمة الإنسانية.
أكيد، هذه أقرب مقالات تليد لموضوع «العاجز لا يُختبر، والبارد لا يُفتن… فمن أين تبدأ العصمة؟»، والروابط كاملة لتنسخها كما هي:
هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟
هل ينجو الإنسان من العالم... أم ينجو من نفسه؟
هل يصبح الإنسان الشخص الذي كان يخشاه يومًا؟ المواجهة بينك ونسختك
المعرفة تملأ العقل، أما الإدراك فيغيّر الإنسان
هل ينجو الإنسان من العالم... أم ينجو من نفسه؟ – الجزء الثاني
تليد…
تعليقات
إرسال تعليق