التمكين الإلهي لا يُتآمر عليه

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :






التمكين الإلهي لا يُتآمر عليه

ليس كل بابٍ يُغلق في وجه الإنسان هزيمة، ولا كل يدٍ تمتد لتعطيله قادرةً على إيقاف ما كُتب له.

فالناس يملكون الحيلة، ويملكون المنع، ويملكون التأخير، وربما استطاعوا أن يضيّقوا طريقًا، أو يحجبوا فرصة، أو يفسدوا سببًا كان يبدو مكتملًا.

لكنهم لا يملكون الخاتمة.

وهنا يقع الفرق الهائل بين تدبير البشر وتقدير الله.

فالإنسان يرى الأسباب متفرقة أمامه، بينما لا يرى ما وراءها. يظن أن نجاحه متعلق بباب واحد، أو بشخص واحد، أو بموافقة واحدة، أو بطريق لا بديل عنه.

ثم يأتي القدر، فيغلق ذلك الباب نفسه، ليفتح له طريقًا لم يخطر بباله.

وعندها فقط يفهم أن التمكين الإلهي لا يُتآمر عليه.

ما كُتب لك لا يحتاج إلى إذن البشر

من أكثر الأوهام التي ترهق الإنسان أن يظن أن مصيره معلق برضا أحد.

قد ينتظر كلمةً من مسؤول.

أو تزكيةً من شخص.

أو قبولًا من جهة.

أو فرصةً يملك مفتاحها غيره.

فيبدأ قلبه بالتعلق بالبشر أكثر مما ينبغي.

وهنا تتغير نظرته للأشياء.

يرى من منعه قادرًا على قطع رزقه.

ويرى من أخّره قادرًا على تعطيل مستقبله.

ويرى من أُغلقت عنده الأبواب كأنه صاحب الأمر كله.

لكن الإيمان يعيد الأشياء إلى مواضعها.

فالناس أسباب.

والأسباب لا تصبح آلهة صغيرة لمجرد أنها تمسك بابًا.

كم من إنسان أُغلق دونه طريق، ثم وجد بعد أعوام أن ذلك الإغلاق كان أول خطوة في طريق آخر أعظم.

وكم من شخص حورب في موضع، فخرج منه إلى موضع لم يكن ليبلغه لو بقي.

وليس معنى ذلك أن كل حرمان سيعقبه بالضرورة منصب أو مال أو شهرة، فليس التمكين الإلهي صورة واحدة.

قد يكون التمكين في ثبات المبدأ.

وقد يكون في النجاة.

وقد يكون في العلم.

وقد يكون في القبول.

وقد يكون في أن يُرفع عنك ما كنت تظنه خيرًا لك.

البشر يتآمرون على الأسباب لا على القدر

يمكن للإنسان أن يمنعك من فرصة.

لكنه لا يستطيع أن يمنعك من كل فرصة.

يستطيع أن يؤذي سمعتك في مكان.

لكنه لا يملك قلوب الناس كلها.

يستطيع أن يصدّك عن طريق.

لكنه لا يعرف كم طريقًا يخبئه الله وراءه.

وهذه ليست دعوة إلى ترك الأسباب أو الاستسلام للكسل.

بل العكس.

المؤمن مأمور بالأخذ بالأسباب، بالسعي، بالصبر، وبذل الوسع.

لكن الفرق أنه لا يعبد السبب.

يفعل ما عليه، ثم يعلم أن السبب ليس هو الذي يمنحه النتيجة.

وهذا المعنى يمنح الإنسان قوة نادرة.

أن تعمل دون ذل.

أن تسعى دون استجداء.

أن تطلب حقك دون أن تجعل قلبك رهينة لمن يملكه مؤقتًا.

لأنك تعلم أن سلطان البشر محدود مهما بدا واسعًا.

أما تقدير الله فلا تحيط به خرائطهم ولا حساباتهم.

يوسف لم يبدأ من القصر

من أعظم صور التمكين في القرآن قصة يوسف عليه السلام.

من بئر.

إلى رق.

إلى فتنة.

إلى سجن.

ثم إلى موضع تمكين.

لو قُرئت القصة في منتصفها فقط، لظن الناظر أن كل شيء يسير ضد يوسف.

إخوته أرادوا إبعاده.

والقافلة أخذته بعيدًا.

والفتنة أحاطت به.

والسجن أخرجه من دائرة الناس.

لكن ما بدا تعطيلاً كان جزءًا من طريق التمكين نفسه.

وهنا تظهر المفارقة:

قد يحاول الناس إخراجك من مكان، فيكون خروجك هو الطريق إلى المكان الذي كُتب لك.

وقد يقصد أحدهم إسقاطك، فيكون سقوطك الظاهري انتقالًا لا نهاية.

ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يقرأ حياته من منتصف الصفحة.

فبعض الفصول لا يُفهم معناها إلا بعد اكتمال القصة.

التمكين ليس استعجالًا

المشكلة أن الإنسان يريد التمكين بالصورة التي يتخيلها وفي الوقت الذي يحدده.

يريد أن ينتصر الآن.

أن تظهر الحقيقة الآن.

أن يُردّ له حقه الآن.

أن يرى الذين ظلموه وهم يدركون خطأهم الآن.

لكن السنن الإلهية لا تتحرك وفق استعجال النفس.

وقد يتأخر الشيء حتى تنضج له.

وقد يتأخر حتى تُنزَع منك أوهام كانت ستفسده.

وقد يتأخر حتى تعرف أن ما سيأتيك لم يأت بسبب قوتك وحدها.

فالتمكين ليس دائمًا مكافأة سريعة.

أحيانًا يسبقه كسر طويل للتعلق بالأسباب.

حتى إذا جاء، لم تقل:

أنا صنعت هذا وحدي.

بل عرفت أن هناك أبوابًا فُتحت لم تكن مفاتيحها في يدك أصلًا.

لا تجعل المؤامرة أكبر من الله في قلبك

حين يتعرض الإنسان للظلم، قد يرتكب خطأ خفيًا:

يظل يحدّث نفسه عن قوة من ظلمه حتى يكبر ذلك الشخص في قلبه أكثر مما يستحق.

فلان يمنعني.

فلان يحاربني.

فلان أفسد مستقبلي.

فلان أغلق الطريق.

وقد يكون بعض ذلك صحيحًا من جهة الأسباب.

لكن استمرار التفكير بهذه الصورة يجعل المتآمر يبدو كأنه المالك النهائي للمشهد.

وهذا غير صحيح.

قال الله تعالى:

﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

المعنى لا يلغي الأسباب، لكنه يعيد ترتيبها.

فلا تجعل مكر البشر أكبر في نفسك من تدبير الله.

ولا تجعل من ظلمك حاضرًا في قلبك أكثر من ربك.

وقد يكون عدم التمكين رحمة

وهنا جانب لا بد من فهمه.

لسنا مخولين بأن نعد أنفسنا بكل ما نرغبه ثم نسميه «تمكينًا إلهيًا».

قد تطلب شيئًا ولا يأتي.

وقد تسعى لمنصب ولا تبلغه.

وقد تنتظر فتحًا في باب فيبقى مغلقًا.

وهذا لا يعني أن مؤامرة البشر غلبت إرادة الله.

بل قد يعني ببساطة أن الخير لم يكن هناك.

الإيمان ليس أن تقول:

سيعطيني الله ما أريد حتمًا.

بل أن تقول:

ما يقدّره الله لي لن يستطيع أحد أن يمنعه، وما لم يقدّره فلن يصنعه إصراري وحده.

وهذا أهدأ للقلب وأصدق.

لأن الإنسان حين يفهم ذلك، يخرج من عبودية النتائج.

يسعى، لكنه لا يتحطم إذا خالفته النتيجة.

يأخذ بالأسباب، لكنه لا يركع لها.

التمكين الحقيقي

ربما يكون أعظم تمكين أن لا يستطيع أحد أن ينتزع منك ما لا يملك أصلًا.

أن يُؤخذ منك منصب ولا تُؤخذ كرامتك.

أن تُغلق أمامك أبواب ولا تُغلق بصيرتك.

أن يخذلك الناس ولا تخذلك مبادئك.

أن يحاولوا دفعك إلى الحقد فتبقى أعلى منه.

أن يسلبوا منك شيئًا فلا يسلبوا منك نفسك.

هذه صورة من التمكين لا يلاحظها كثيرون.

لأننا اعتدنا قياس الانتصار بما يظهر.

لكن بعض الانتصارات تقع في الداخل.

وقد ينتصر الإنسان يوم يرفض أن يصبح نسخة من الذين ظلموه.

وفي النهاية

لا تخف من مكر البشر أكثر مما ينبغي.

ولا تحتقره كذلك.

خذ حذرك.

احفظ حقك.

واجه الظلم بالطرق المشروعة.

وابذل السبب حتى نهايته.

لكن اترك في قلبك مساحة لا يصل إليها أحد.

مساحة تعرف فيها أن الخلق مهما دبّروا فهم يعملون داخل قدر لا خارجه.

وأن الطريق الذي كتبه الله لك قد يمر أحيانًا من الباب نفسه الذي أغلقوه في وجهك.

فالمؤامرات تستطيع أن تؤخر سببًا.

وتستطيع أن تغيّر مسارًا.

وربما تصنع ألمًا طويلًا.

لكنها لا تستطيع أن تستولي على تدبير الله.

فإذا جاء التمكين من عنده، لم يكن لأحد أن يمنعه، وإذا تأخر فليس لأحد أن يستعجله.

ولهذا:

التمكين الإلهي لا يُتآمر عليه.

انظر ايضًا :

حين خذلتك الأسباب… احتواك ربُّ الأسباب

الأبواب التي أغلقها الله رحمةً بك

حين يؤخر الله أمنيتك… هل يكون التأخير رحمة؟

الطريق الذي يقودك إلى الله قد يبدأ من خسارة

لماذا يجيب الله دعاءً ويؤخر آخر؟


تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة